وأُخرى دنيويّةً ؟
قلنا : نعم ، هذا هو الظاهر ، إلّا أنَّ الأمر ليس كذلك بالدقّة ، فبالإمكان اعتبار العبادات من قبيل : الصلاة والصوم والحجّ طاعاتٍ أُخرويّةً لا ربط مباشر لها بالمجتمع ، وتركها ذنوباً أُخرويّةً ، بينما التقصير في المعاملات مع الناس ذنوبٌ دنيويّةٌ . وبعبارةٍ أُخرى : التقصير في حقّ الله ذنبٌ أُخروي ، والتقصير في حقّ الناس ذنبٌ دنيوي ، وعليه فهذا المعنى ليس بمتعذّرٍ من هذه الجهة .
وما هو المراد من الآخرة والأُولى ؟
لا يخفى : أنَّ المفهوم من الأُولى هو الدنيا ؛ لأنَّها الدار السابقة على الآخرة ، وإنَّما سُمّيت الآخرة آخرة ؛ لأنَّها بعد الدنيا ، أي : متأخّرةٌ ، والقرآن أيضاً سمّاها آخرة ، فالأُولى هي هذه الدنيا ، والآخرة هي تلك ، وهي ليست ثانيةً . نعم ، ليس بعدها ثالثةٌ ، وإنَّما هي أخيرةٌ .
وهنا نسأل : أنَّ الآية قالت : نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى ، فلماذا لم تقل : ( نكال الآخرة والدنيا ) ؟
والجواب : أنَّه عبّر عن الدنيا بالأُولى لحفظ السياق اللفظي أوّلًا ، وللجهة الأدبيّة ، وثانياً لأنَّ المناسب للفظ الآخرة هو الأُولى ؛ إذ إنَّ الدنيا يقابلها العليا لا الآخرة ، فالتقابل بين الأُولى والآخرة صحيحٌ في الآية .
وإذا لم تكن الأُولى واضحةً في معنى الدنيا ، فإنَّه يمكن جعل لفظ الآخرة قرينةً متّصلةً على فهم ذلك ، والنكال يفهم منه أيضاً نكال الدار الآخرة والدار الأُولى التي هي الدنيا .
ولكن هناك اتّجاهٌ بين المفسّرين يذهب إلى عدم فهم الدنيا من لفظ
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 349
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٣٤٩