ومن هنا وجدت فرصةٌ لفرعون أن يقول : ( أنَّا ربّكم الأعلى ) ، وبعدها يمكن أن يدّعي الإلوهيّة ؛ لأنَّه لا يوجد عندهم إلهٌ واحدٌ فوق الآلهة يؤمنون به ، فالفكرة عند اليونان أكثر ترتيباً منها عند المصريّين .
* * * * قوله تعالى : فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى :
قال الراغب : الأخذ حوز الشيء وتحصيله « 1 » .
أنا أقول : المراد : حوز الشيء وتحصيله بعد العدم ، أي : لم يكن لديه فأخذه ، وإلّا لو كان موجوداً عندي فلا معنى لأخذه ، من قبيل ما لو تذكّرته بعد النسيان ، ولو كنت ذاكراً له لما كان معنى للتذكّر ؛ لأنَّه تحصيلٌ للحاصل .
وأفاد الراغب : أنَّ الأخذ تارةً بالتناول ، كتناول اليد ، نحو قوله تعالى : مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ « 2 » ، وتارةً بالقهر ، أي : الأخذ بالقهر ، وهو أخذٌ مجازي ، وليس حقيقياً ؛ لأنَّه يقهره ، فيُقال : أخذه ، من قبيل ما نحن فيه فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى .
ونحوه : لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمْ « 3 » ؛ إذ الذي ينام يأخذه النوم أو يقهره النوم ، فالله سبحانه وتعالى أعز وأجلّ من أن تقهره السِنَة أو النوم . ويُقال : أخذته الحمّى ، أي قهرته الحمّى وسيطرت عليه . وقال تعالى : وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ « 4 » أي : قهرتهم ، وفَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى أي : قهرهم
هامش
( 1 ) مفردات ألفاظ القرآن : 8 ، مادّة أخذ .
( 2 ) سورة يوسف ، الآية : 79 .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 255 .
( 4 ) سورة هود ، الآية : 67 .