بين الملائكة الذين نتصوّرهم ؛ فالله مجرّدٌ عن المادّة والملائكة أيضاً مجرّدون عن المادّة ، فيتخيّلون نحواً من السنخيّة في أنَّهم ليسوا من عالم المادّة . لكن نحن نؤمن بأنَّ الله تعالى ليس كمثله شيءٌ « 1 » ، ولا يشبهه أحدٌ من خلقه ، لا في عالم الروح ولا في عالم المادّة . لكنّهم من هذه الناحية بسطاء ، ولذا يُسمّونهم بالآلهة : إمّا اشتقاقاً من كلمة الله ، أو لاشتراكهم في العمل الكوني أو السيطرة على الكون ، فالآلهة عندهم مسيطرةٌ على الكون ، وكذلك الله ، فمن هذه الناحية يشتركون في عموم السيطرة على الكون ، فيسمّونهم آلهةً .
والظاهر : أنَّ من يؤمن بذلك يختلف ؛ فقد يؤمن بربّ الأرباب وقد لا يؤمن ، فالمجتمعات كانت متعدّدةً ومتباعدةً ، ولا يمكن وصول بعضها إلى البعض الآخر ، والأجيال تنمو في مدينةٍ واحدةٍ ، فلا يعرفون المدن الأُخرى خاصّةً البعيدة منها . ومنه ينتج أنَّ الإيمان بأوصاف الآلهة وبأنَّ فوقهم ربّاً واحداً أو لا ، يختلف من مجتمعٍ إلى آخر ، والظاهر أنَّهم في اليونان مثلًا يؤمنون بربٍّ واحدٍ فوق الآلهة ، ومن هنا وجد فيهم الواعون والمدقّقون مثل : سقراط أفلاطون وأرسطو ، وغالبيّتهم كانوا موحّدين ، وكذا غالبيّة الشعب اليوناني في ذلك الزمان كانوا من الموحّدين ، بالرغم من أنَّهم يؤمنون بالآلهة بهذا المعنى ويؤمنون بعالم الأُوليمب ، أي : عالم الجبروت أو عالم العقول ، ولكنّهم لا يؤمنون بالشرك الجلي . ومع ذلك فإنَّ عالم الأُوليمب له موجّهٌ واحدٌ ، وهو الله سبحانه . وعندما ننتقل إلى مصر نجد أنَّهم يؤمنون بالآلهة ، لكن لا يوجد عندهم لفظ الأُوليمب باللغة القبطيّة ، ولا نعرف أنَّهم كانوا يؤمنون بإلهٍ واحدٍ فوق الآلهة أو لا .
هامش
( 1 ) إشارة إلى الآية : 11 من سورة الشورى .