تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
ترتيب الأثر على ذلك في قوله : ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى * فَحَشَرَ فَنَادَى « 1 » . الوجه الثاني : أنَّه تبيّن ممّا سبق : أنَّ هذا القول وإن كان صادقاً ، إلّا أنَّ مضمونه باطلٌ ؛ لأنَّه ملازمٌ لدرجةٍ من الكمال السلبي الذي يجعل الفرد شديد التطرّف نحو الكفر والضلال . نعم ، هو صادقٌ لكنّه في نفسه ووضعه وواقعه كلّه باطلٌ بطبيعة الحال ، فإذا كان وضعه باطلًا فلا يكفي صدقه في هذا التعبير أن ينجو من العقاب ؛ لأنَّ الكمال السلبي كلّه عقابٌ لا ثواب فيه . الوجه الثالث : أن نتنزّل عمّا قلناه من أنَّ قوله : أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى هي دعوة للربوبيّة ، بل هي دعوة للإلوهيّة ، كما فهم المشهور ، ودعوة الإلوهيّة محرّمةٌ ، وهي الإلحاد والشرك بعينه ، فيستحقّ العقاب ، وتكون كذباً لا صدقاً . الوجه الرابع : أن نقول : إنَّ هذا القول مهما كان مضمونه فهو كاذبٌ ، فيعاقبه الله على كذبه ، سواء كان ادّعاءً للربوبيّة أم للإلوهيّة . أمّا ادّعاء الإلوهيّة فكذبه واضحٌ ، وأمّا الربوبية فكذلك ؛ لأنَّ الله تعالى هو الربّ الحقيقي ؛ لأنَّ غاية هذه الأُطروحة أنَّه يظن نفسه أنَّه هو المثال الأعلى للشعب القبطي ، ولم يكن حقيقةً كذلك ؛ لأنَّه كان ظالماً جائراً ، فهو كاذبٌ على كلّ حالٍ ، فيكون مستحقّاً للعقوبة . ومن الواضح : أنَّ هذا المستوى من الكمال السلبي ملازمٌ للشعور بالأنانيّة وتركيز الذات ، ولذا يقول : أنا ربّكم ، أي : إنَّه يشعر بالأنا ، وهذا بخلاف الكمال الإيجابي أو النوراني ؛ فإنَّه ملازمٌ لنكران الذات والفناء ونسيان الذات بمعنىً من المعاني .
هامش
( 1 ) سورة النازعات ، الآيتان : 22 - 23 .