الناس ، فنادى ، فقال : يا أيّها الناس ، ثُمَّ أعرب عن مقصوده ، فقال : أنا ربّكم الأعلى . وليس المراد من ( نادى ) أنَّه نادى الناس للاجتماع ، وأوضح قرينةٍ على ذلك وجود الفاء في قوله : ( فنادى ) ، أي : إنَّ ذلك بعد الحشر لا قبله ؛ لأنَّ الفاء للترتيب ، ومعناه ترتّب النداء زماناً وتأخّره عن الحشر .
ومن هنا نجد أنَّ كلّ هذه الأفعال الثلاثة متعاطفةٌ بالفاء ، أو قل : مبدوءةٌ بالفاء ( فحشر ، فنادى ، فقال ) ، وهو صحيحٌ ؛ لكي يدلّ على الترتيب العلّي والزماني معاً . والترتيب الزماني يعني : أنَّه حشر ، وفي الزمان المتأخّر عن الحشر نادى ، وفي الزمان المتأخّر عن النداء قال ، سواء كان الزمان المتأخّر بعيداً أم قريباً . والترتّب العلّي بمعنى جزء العلّة طبعاً ؛ فإنَّه حشر ، ولولا الحشر لم يحصل النداء ، ولولا النداء لم يحصل القول ، وهذا كافٍ في الترتّب العلّي ؛ لأنَّه يلزم من عدم السابق عدم اللاحق .
وذكر السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) في ادّعاء فرعون للربوبيّة : أنَّ فرعون كان يدّعي الربوبيّة لأهل مملكته جميعاً ، لا لطائفةٍ خاصّةٍ منهم « 1 » .
أقول : في حدود فهمي فرعون كان قبطيّاً ، ويدّعي الربوبيّة على الأقباط الذين كانوا أكثريّة الشعب المصري في ذلك الحين ، بل جميعه إلّا من ندر ، وهم السكان الأصليّون في مصر ، والغرباء كانوا قليلين ؛ لصعوبة الانتقال من البلاد البعيدة آنذاك . والمهمّ أنَّ بني إسرائيل وهم طائفة غريبةٌ هناك لم يكونوا يؤمنون بربوبيّة فرعون ؛ لأنَّهم كانوا على دين جدّهم إبراهيم ( ع ) ، وكان فرعون وأجيال الفراعنة تحتقرهم وتسخّرهم ، فهم في نظر فرعون موسى أقلّ وأحطّ من أن يدّعي عليهم الربوبيّة ، بل إنَّ ما يناسب أن يدّعي عليهم
هامش
( 1 ) أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 188 : 20 ، تفسير سورة النازعات .