أرجع الضمير إلى المحشورين جمعاً .
وهنا لابدّ أن نلتفت إلى الفاء في قوله : ( فحشر ) و ( فكذّب ) للمعلوليّة ؛ لأنَّه حصل أمران : أحدهما بمنزلة العلّة ، والآخر بمنزلة المعلول ، فالعلّة عبارةٌ عن أنَّه أدبر يسعى ، أي : دبّر أمره ، بمعنى : عمل الأشياء التي تتناسب أن يدعو الناس ، وترتّب على ذلك الحشر ، وهو اجتماع الناس ، وترتّب على ذلك النداء بعد أن حشر الناس ، فهذه الفاءات لأجل إظهار تعدّد الرتبة والمعلوليّة .
* * * * قوله تعالى : فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى :
لعلّ الإشكال الأهمّ هنا هو زيادة البيان عن مقدار الحاجة ؛ لأنَّه قال : فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى وكأنَّ هناك ثلاثة ألفاظ متشابهةٍ إلى حدٍّ مّا ، وهي : ( فحشر ، فنادى ، فقال ) ، مع أنَّه كان يمكن الاكتفاء باثنين منها ؛ لأنَّ النداء الذي حصل إمّا بمعنى الدعوة ، أي : ( تعالوا أيّها الناس ) ، فيكون بمعنى الحشر ، وإمّا أن يكون بمعنى رفع الصوت بالكلام ، فيكون بمعنى ( قال ) ، وحيث إنَّ قوله : ( فحشر ) غير مستغنى عنه في السياق ، أي : إنَّ ( حشر ) صحيحةٌ وفي محلّها ؛ لأنَّه يدلّ على مضمونٍ زائدٍ على ما بعده ، إلّا أنَّ الفعلين بعده ( فنادى ، فقال ) يمكن الاكتفاء بأحدهما ، فيمكن أن يقول : ( فنادى أنا ربّكم الأعلى ) أو ( فقال : أنا ربكم الأعلى ) ، فتكون الآية اقتراحاً هكذا : ( فحشر فقال أنا ربّكم الأعلى ) ، أي : إمّا أن نحذف ( نادى ) أو نحذف ( فقال ) .
والجواب : أنَّ هذا التفكّر يحتوي على جهلٍ بالأُسلوب العرفي السائد في الخطابات وإلقاء المحاضرات ؛ فإنَّها تبدأ عرفاً بقوله : ( يا أيّها الناس ) ونحو ذلك ، ثُمَّ يبيّن المتكلّم مقصوده بالقول ، فيكون هكذا : فحشر ، أي : جمع
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 334
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٣٣٤