سيكون معنى قوله : فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى أي : ربّ السحرة ، مع العلم أنَّ مشهور المتشرّعة والمفسّرين لا يفهم هذا المعنى من أنَّه ربّ السحرة ؛ لأنَّه ليس لذلك قيمةٌ ، وإنَّما هو ربّ المجتمع كلّه بحسب قصده .
وهناك مناقشةٌ أُخرى لفكرة أنَّ المراد هو حشر السحرة فقط ، وهي أنَّ جمع السحرة لا يُسمّى حشراً حقيقةً ؛ لأنَّهم ليسوا عدداً كبيراً بحيث يحصل الازدحام والإزعاج ، وإنَّما هم أفرادٌ معدودون خمسةٌ أو عشرةٌ أو خمسون مثلًا ، فالمقصود هو جمع الناس وحشرهم لمشاهدة السحرة . وهو الأرجح ، فيكون المراد من قوله تعالى : وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ أي : داعين الناس للمجيء لمشاهدة السحرة ، وليس للسحرة أنفسهم .
الأُطروحة الثالثة : أنَّه حشر الناس لا لمشاهدة السحرة ، بل لتبليغ دعواه في الربوبيّة إليهم ، وهذا هو ظاهر السياق ، ولذا قال : فنادى : أنا ربّكم الأعلى . ومن المحتمل أيضاً أنَّه حشر الناس مرّةً واحدةً في حياته ، كما هو المركوز متشرّعيّاً وإن كان لا دليل عليه ، لكن نفترض أنَّه هكذا ، بمعنى : أنَّه حشر الناس مرّةً واحدةً لأجل السحرة ، ولمّا رآهم مجتمعين ناداهم بادّعاء الربوبيّة ، أي : اغتنم الفرصة في أن يعلن ادّعاء الربوبيّة ، فقد أنجز كلا الغرضين باجتماعٍ واحدٍ . إلّا أنَّ ذلك ممّا لا دليل عليه ، ومجرّد تكرار لفظ الحشر في القرآن لا يدلّ عليه ، فهذا حشرٌ وذاك حشرٌ آخر ، والحشر معنىً كلّي قابلٌ للصدق على كثيرين .
والنداء هو التلفّظ بالدعوة ، تقول : يا فلان ، وإذا كانت الدعوة عامّةً تقول : يا أيّها الناس ، ونحو ذلك ، والنداء هنا أيضاً محذوف المتعلّق ، إلّا أنَّه واضحٌ من السياق في أنَّه نادى من حشره ، وكذلك قوله : ( أنا ربّكم ) ، فقد
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 333
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٣٣٣