تنزّلنا عن الوجه الأوّل كان الإشكال وارداً ؛ لأنَّ السحرة جمعهم فرعون بأوامره لا بعمله المباشر .
وأمّا إذا كان المراد النداء بالربوبيّة - لأنَّه قال : فَحَشَرَ فَنَادَى * فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى « 1 » وهذه قرائن متّصلةٌ بالسياق - فهو يتوقّف على سماع الناس منه مباشرةً بلا شكٍّ ؛ لأنَّه قال : أنا ربكم الأعلى ، فهو لابدّ أن يصرّح بوضوحٍ أمام الناس أنَّه هو ربّهم الأعلى ، فيتوقّف ذلك على سماع الناس منه مباشرةً ؛ إذ يُحتمل الكذب أو التحريف بالنقل . ومن الواضح هنا أنَّ الآية تشير إلى ادّعاء الربوبيّة لا إلى جمع السحرة ، وذلك يتعيّن بعمله المباشر ، ولا يكون ذلك مستبعداً ، فهو الذي نادى فعلًا . نعم ، هو الذي حشر بأوامره ، لكن المهمّ أنَّ النداء صدر منه مباشرةً .
الأمر الثاني : أنَّ الآية عطفت ب - ( ثُمَّ ) حيث قال : فَكَذَّبَ وَعَصَى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى ، وكلامنا في قوله ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى فهي معطوفةٌ ب - ( ثُمَّ ) على ما قبلها ، و ( ثُمَّ ) دليل الانفصال والتراخي لا الفوريّة ، كأنَّ فرعون فكّر واستشار حتّى نضجت الفكرة لديه ؛ لأنَّه عندما دخل عليه موسى في أوّل الأمر كذّب وعصى ، ثُمَّ أدبر يسعى ، فيوجد زمانٌ فكّر فيه وجمع أصحابه واستشارهم ، ثُمَّ حشر فنادى .
الأمر الثالث : أنَّ ( أدبر ) و ( يسعى ) أمران إضافيّان ، لهما أوّلٌ ولهما آخر ، أي : أدبر من مكان كذا إلى مكان كذا ، وسعى من مكان كذا إلى كذا ، وهذا محذوفٌ في الآية عن عمدٍ وحكمةٍ . وحينئذٍ لابدّ أن نعرف ذلك ولو كأُطروحةٍ . أمّا من أين ؟ فهذا واضحٌ من السياق ؛ لأنَّه أدبر عن موسى الذي
هامش
( 1 ) سورة النازعات ، الآيتان : 23 - 24 .