قوله تعالى : فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى :
من الواضح أنَّ الآيات السابقة كانت هي أوّل ما أوحى الله سبحانه إلى موسى ( ع ) بخصوص قضيّة فرعون ودعوته إلى الهداية ، وهو لم يكن قريباً على بلد فرعون ، وأطاع موسى ( ع ) ما أمر الله به ، وذهب إلى فرعون ، وقال له ما ينبغي أن يقول ، فطالبه فرعون بالمعجزة ، كما تدلّ عليه مواضع أُخر من القرآن الكريم ، فأقام المعجزة وأراه الآية الكبرى . فهناك جملةٌ من الحوادث لم يذكرها القرآن في هذه السورة ، بل انتقل مباشرة إلى قوله : فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى وأهمل التعرّض للتفاصيل الموجودة بين الحادثتين ؛ وهذا لأنَّ القرآن في الحقيقة ليس كتاب قصّةٍ ولا تاريخٍ ، وإنَّما له غرضٌ معيّنٌ ، وهو هداية العالم ، فما يرتبط بالهداية يقوله ، وما لا يرتبط بالهداية لا حاجة إلى التعرّض له .
مضافاً إلى أنَّ تلك التفاصيل قد تعرّض لها القرآن في مواضع أُخر « 1 » . وهناك أمثلةٌ أُخرى على ذلك من القرآن ، كما في قوله تعالى : قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ « 2 » ، فهناك أُمورٌ حصلت بين قول آصف بن برخيا وبين استقرار العرش عند سليمان لم يتعرّض لها القرآن ، وأهمل ذكرها .
والفاء في قوله : ( فأراه ) للترتيب ، وقد قال ابن مالك : إنَّ الفاء للترتيب باتّصالٍ « 3 » ، وهذا يعني : أنَّ موسى ( ع ) امتثل ما قيل له ، أي : إنَّ قوله : اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ . . . بمنزلة العلّة التي تدفع موسى وتبعثه إلى فرعون ، والمعلول هو
هامش
( 1 ) كما في الآيات : 103 - 162 من سورة الأعراف وغيرها .
( 2 ) سورة النمل ، الآية : 40 .
( 3 ) أُنظر : شرح ابن عقيل 227 : 2 ، عطف النسق .