تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
مصاديق متعدّدةٌ بنحو التشكيك ، أي : الخشية لها مراتب متعدّدةٌ ، والهداية كذلك ، فبعض المراتب ينشأ من البعض الآخر ، ففي المرتبة الأُولى يهتدي ثُمَّ يخشى ، ثُمَّ هذه الخشية تنتج هدايةً أكبر من الأُولى ، ثُمَّ هدايته تنتج خشيةً أكبر ، وهكذا تتسلسل المراتب ، فبينما تكون درجةٌ معيّنةٌ من الهداية معلولةً للخشية ، فإنَّها تكون علّةً لدرجةٍ أُخرى من الخشية . إلّا أنَّ الإشكال : أنَّ ظاهر الآية جعل الخشية مترتّبةً على الوصول إلى معرفة الله سبحانه وتعالى ، ولذا قال : وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ، فالإنسان إذا وصل إلى هذه المرتبة العليا من الهداية ، فلا موجب للخشية حينئذٍ ؛ حيث إنَّ الإنسان يخشى ذنبه ، والحال أنَّ تلك المقامات العالية لا ذنب فيها ، فلا حاجة إلى الخشية ، فكيف يقول : أهديك إلى ربّك فتخشى ؟ وهذا الإشكال له أحد جوابين : الجواب الأوّل : أنَّ تلك المرتبة العليا من المعرفة مقترنةٌ لا محالة بدرجةٍ عليا من الخشية ، بل هي الأهمّ والأعظم والأشدّ تركيزاً ، كما قال تعالى : إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ « 1 » أي : العلماء بالله ، ومع ذلك فهم يخشون الله سبحانه وتعالى . الجواب الثاني : أن ننكر ظهور الآية في ذلك ؛ باعتبار أن ليس فيها وضوحٌ بالوصول إلى المعرفة ، وإنَّما صرّحت بالهداية فقط وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ بمعنى : أنَّ موسى ( ع ) أشار إلى أوّل الطريق إلى الله . وأمّا الوصول إلى النهاية والمعرفة فمسكوتٌ عنه ، فالخشية حينئذٍ تكون مترتّبةً على الهداية لا على المعرفة ، فيكون الإشكال بمنزلة السالبة بانتفاء الموضوع .
هامش
( 1 ) سورة فاطر ، الآية : 28 .