المادّة ، ولا يمكن أن يُرى ، ولو قال له : إنَّ ربّي مجرّدٌ ، فسيكون هذا الكلام من فعل المجانين . وقد ترّتب على هذا المعنى أمران :
أحدهما : أنَّ فرعون نفسه لم يفهم أنَّ إله موسى كان مجرّداً .
ثانيهما : أنَّ اليهود أصبحوا مجسّمةً ؛ لأنَّه ليس لهم نصٌّ واضحٌ في شريعتهم على التجريد ، ولو كان لهم نصٌّ لآمنوا به ، فأصبحوا مجسّمةً نتيجة لمعهوداتهم المادّيّة .
أمّا لماذا سكت موسى ( ع ) عن التجريد ؟ فإنَّ هذا حدث لحكمةٍ ، وليس جزافاً ، وهي عدم تحمّل المجتمع في ذلك الحين فكرة التجريد التي جاء بها الإسلام بعد ذلك ، كما أنَّ عيسى ( ع ) سكت عن التوحيد ؛ لأنَّه قال : إنَّ الخالق موجودٌ فقط ، ولم يقل : إنَّه واحدٌ ، وإنَّما سكت عن النصّ بالتوحيد ، ومن هنا قال المسيحيّون بالتعدّد ( والعياذ بالله ) أو الثالوث المقدّس عندهم .
ثُمَّ إنَّ قوله تعالى : إِنَّهُ طَغَى تعليلٌ للأمر في قوله تعالى : اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ « 1 » أي : إنَّ هناك سؤالًا مقدّراً على لسان موسى ( ع ) ، وهو لماذا أذهب ؟ أو لماذا ترسلني إليه ؟ فيقول : ( لأنَّه طغى ) .
* * * * قوله تعالى : اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى :
ولنتكلّم عن معنى الطغيان ، وقد عرّفه الراغب « 2 » : بأنَّه تجاوز الحدّ في العصيان ، ويُمثّل لذلك بعدّة أمثلةٍ ، كقوله تعالى : إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى « 3 » ووَلَا
هامش
( 1 ) سورة النازعات ، الآية : 17 .
( 2 ) أُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : 314 ، مادّة طغي .
( 3 ) سورة العلق ، الآية : 6 .