ومن هنا ينفتح الباب للفهم المعنوي للآية ؛ من حيث إنَّ الوادي هو المقام الذي وصل إليه المؤمن ، وهو مقامٌ عالٍ وطاهرٌ ومقدّسٌ ، وصاحبه مقدّسٌ ، أو نقول : إنَّ المكان والمكين مقدّسان ، وهو مطوٍ - أي : طُوى - بيمين الله سبحانه ، أو هو ميّت الشهوات ؛ لأنَّ الطي هو الموت ، ما يعني أنَّه ميّت الشهوات والنفس الأمّارة بالسوء ، فوصل إليه بسرعةٍ غير متوقّعةٍ بطي المسافات المعنوية برحمة الله سبحانه وتعالى .
وبعد أن حصل في ذلك المقام ناداه ربّه ؛ لأنَّه صار صالحاً للاستماع للنداء الإلهي ، وكذلك عاد صالحاً لهداية الآخرين والتكفّل بالسفارة الإلهيّة لهداية الناس ، ومن هنا يأمره الله سبحانه أن يذهب إلى المجتمع للهداية اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى « 1 » ويخصّ فرعون بالذكر ؛ لأنَّه الحاكم الأعلى في المجتمع ، أو هو كلّ عاتٍ ومتعصّبٍ في فسقه وكفره ، أو هو النفس الأمّارة بالسوء ، أو هو العقل المختلط بالباطل مع العلم ، والقلب المختلط بالباطل مع العواطف .
وقد يُفسّر أنَّ الروح تدعو العقل للذهاب إلى النفس لأجل هدايتها ، كلٌّ في باطن فردٍ واحدٍ ، أو إلى القلب لأجل تصفيته .
والمنادي هو الله سبحانه وتعالى ، وفي الآية : ربّه « 2 » ، وفي موضع آخر : ربّك « 3 » ، والصوت الذي صدر من الشجرة قال : إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ « 4 » ؛
هامش
( 1 ) سورة طه ، الآية : 24 .
( 2 ) أي : الآية : 16 من سورة النازعات .
( 3 ) كما في الآية : 10 من سورة الشعراء ، أعني : قوله تعالى : وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنْ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [ سورة الشعراء ، الآية : 10 ] .
( 4 ) سورة القصص ، الآية : 30 .