وأمّا لفظ ( المقدّس ) فقد أفاد الراغب : أنَّ التقديس التطهير الإلهي ، دون التطهير الذي هو إزالة النجاسة المحسوسة . وقوله : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ « 1 » أي : نطهّر الأشياء ارتساماً لك . وقيل : نقدّسك أي : نصفك بالتقديس ، ونقدّس لك ، أي : الملائكة : نقدّس الأشياء ونطهّرها لأجلك ثبوتاً ، أو حتّى إثباتاً ، كتقديسهم له تعالى بالقول ، كما أنَّهم يسبّحون بحمده قولًا وإثباتاً ، كذلك يقدّسونه قولًا وإثباتاً ، أي : نقول : إنَّك طاهرٌ ومقدّسٌ « 2 » . ولربما وحدة السياق تقتضي الإثبات .
وقوله تعالى : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ « 3 » يعني به جبرئيل ؛ من حيث إنَّه ينزل من الله بما يطهّر به نفوسنا من القرآن والحكمة والفيض الإلهي ، أو ينزل بالشريعة والقرآن والهداية التي تطهّر النفوس . وليس معنى ذلك أنَّه يقدّس نفوسنا ويطهّرها بنحو العلّة والمعلول ، بل هو روح القدس أو الروح المطهّرة أو روح الطهارة .
والبيت المقدّس هو المطهّر من النجاسة « 4 » ، أي : الشرك ، وكذلك الأرض المقدّسة المذكورة في القرآن « 5 » ، والمقصود منهما أرض فلسطين وبيت المقدس .
أقول : ومن هنا نفهم أنَّ التقديس هو التطهير المعنوي ، وليس التطهير
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 30 .
( 2 ) انُظر : مفردات ألفاظ القرآن : 411 ، مادّة قدس .
( 3 ) سورة النحل ، الآية : 102 .
( 4 ) أُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : 411 ، مادّة قدس .
( 5 ) إشارةٌ إلى قوله تعالى : يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [ سورة المائدة ، الآية : 21 ] .