حُكْمُ اللَّهِ « 1 » وفيها كثيرٌ من قصص الأنبياء السابقين أكثر ممّا موجودٌ في القرآن ، وهذا يكفي لإلزامهم بالتصديق .
الوجه الثالث : أنَّنا لو تنزّلنا عن الوجهين السابقين ، كفى للقرآن الاستقلاليّة في الرواية ؛ لأنَّ الله تعالى يتكلّم من زاوية قوّةٍ وقهرٍ ، ولا يتوقّف كلامه على تصديق ذوي النفوس المريضة ، فهو يقول كلمته على كلّ حالٍ . قال تعالى : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا « 2 » أي : لعلّك لا تتوقّع أنَّ الكافرين يصدّقون ؟ مع أنَّه لا أهمّيّة لذلك ، سواء آمنوا أم لم يؤمنوا . وقال تعالى : وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ « 3 » . نعم ، هؤلاء هم المهمّون الذين لا يحتاجون إلى مجادلةٍ أو معجزةٍ ، وإنَّما بمجرّد أن يسمعوا الكلام يخشعون له ويخضعون لمضمونه .
الوجه الرابع : مع التنزّل عن كلّ ما سبق يكفي مجرّد سرد الرواية لأخذ العبرة ، حتّى لو فرضت بزعم بعض السامعين أنَّها غير واقعيّةٍ ، إلّا أنَّ المحصّل منها واضحٌ . وهذا لا يعني : أنَّها غير واقعيّةٍ فعلًا ، بل هي صادقةٌ أكيداً ، إلّا إنَّ مقصودي هو أنَّ العبرة منها لا تتوقّف على صدقها ، فالمؤمن يعتبر بها ؛ لأنَّه يصدّق بها ، والكافر يمكن أن يعتبر بها حتّى لو كان مكذّباً لمضمون القصّة ، إلّا أنَّ درجة الاعتبار تختلف بين المستويات لا محالة . والمهمّ أنَّ السامع لا يكون منكراً كاملًا ، بل له درجةٌ ولو احتماليّة من التصديق لكي يستطيع أخذ العبرة ؛ لأنَّ الاحتمال الموجود في ذهنه دافعٌ للاستدلال المضادّ ، أي : لإيمانه
هامش
( 1 ) سورة المائدة ، الآية : 43 .
( 2 ) سورة الكهف ، الآية : 6 .
( 3 ) سورة الحجّ ، الآية : 54 .