قولهم - حسب المشهور - : أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ من استبعاد البعث واستصعابه ، والمعنى : لا يصعب علينا إحياؤهم بعد الموت وكرّتهم ؛ فإنَّما كرّتهم زجرةٌ واحدةٌ ، فإذا هم أحياءٌ على وجه الأرض بعدما كانوا أمواتاً في بطنها .
أقول : وهذا الاستبعاد موجودٌ طبقاً لكثيرٍ من الأُطروحات السابقة ، والسؤال التقديري حاصلٌ في ثلاث آياتٍ هي قوله : يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ * أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً * قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ فيأتي الجواب بعدها مباشرة : فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ . وهذه التفاتةٌ لطيفةٌ من السيّد الطباطبائي ( قدس سره ) نوافقه عليها . لكن من الواضح أنَّه ليس جواباً نظريّاً ، وإنَّما هو جوابٌ عملي ؛ لأنَّه إذا كانت مخاطبته للكفّار كما عليه المشهور ، لم يكن هذا إقناعاً لهم ، وإنَّما يكون إقناعاً لمن يؤمن بصدق القرآن الكريم ، والكفّار ليسوا كذلك ، فبمجرّد أن يقول لهم : فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ لا يعني ذلك شيئاً للكفّار من الناحية النظريّة .
وجواب ذلك : أنَّ الجواب العملي هو من جهة الله سبحانه وتعالى ، بمعنى أنَّه يقول : لا يهمّنا تشكيكهم ؛ فإنَّنا سنفعل ذلك على كلّ حالٍ ، وسوف يمتثلون الأمر التكويني قهراً من حيث يريدون أو لا يريدون ، ولا يحتاجون إلى أكثر من زجرةٍ واحدةٍ لإثبات المطلوب ، ولا حاجة إلى جدلٍ نظري ، والله يتكلّم من زاوية قوّةٍ وقهرٍ ، من حيث إنَّه لا يعجزه شيءٌ لا في السماوات ولا في الأرض .
وهنا ينتهي سياقٌ قرآني كاملٌ ليبدأ سياقان آخران إلى نهاية السورة ، كلاهما لأجل البرهنة على قدرة الله وقهره وهيمنته وسيطرته على كلّ شيءٍ .
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 295
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٩٥