وهذا يعني : أنَّ الكلام الصادر منهم هو قبل الردّ إلى الحافرة ، وقبل أن يكونوا عظاماً نخرةً ، يعني : في الدنيا . ومن هذه الناحية يحصل تعارضٌ بين السياقين ، فتسقط الأُطروحة ؛ لأنَّ معنى ذلك أنَّ قوله : أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً قرينةٌ متّصلةٌ على نفي الأُطروحة ؛ إذ يتعيّن أن نفهم السياق اللاحق ، وهو قوله : أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَخِرَةً كونه في الدنيا ، ويتعيّن أن نفهم السياق السابق ، وهو قوله : قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ كونه في الآخرة ؛ لأنَّ وجوه الكفّار لا تكون خاشعةً في الدنيا ولا أبصارهم خاشعةً ، وإنَّما تكون خاشعةً في الآخرة . نعم ، قلوب المؤمنين وأبصارهم تكون خاشعةً في الدنيا ، فيحصل التنافي بين السياقين حسب هذا الفهم للآيتين .
وهذا ممّا يسجّل فعلًا كإشكالٍ على الفهم المشهور ، وهو لا يصحّ إلّا بناءً على الفهم التجزيئي للقرآن الذي لا يأخذ به المشهور ، بحيث نفترض أنَّ كلّ آيةٍ لها معنىً مستقلٌّ ، ونزلت وحدها ، ومعنى ذلك : أنَّه لابدّ من التنزّل عن بعض ما يعتقد به المشهور في تفسير هذه الآيات .
وأمّا بناءً على الأُطروحات السابقة فالأُطروحات الرئيسية لفهم السياق أربع كلّ واحدةٍ منها متكاملةٌ في نفسها ؛ لأنَّ القائل في يَقُولُونَ إمّا الكفّار أو المؤمنون ، وعلى كلا التقديرين يكون القول : إمّا في الدنيا وإمّا في الآخرة ، فتكون النتيجة أربع أُطروحات نشرحها في الجملة :
الأُطروحة الأُولى : أن يكون هذا قول الكفّار في الدنيا ، على ما هو المشهور ، فيكون اضطراب قلوبهم وخشوع أبصارهم لما يرون من بلاء الدنيا وصعوباتها ، فالله تعالى يمرّرهم بالبلاء العالي جدّاً حتّى تضيق منه نفوسهم وتخشع أبصارهم ، وإن كانوا كافرين بذلك ، يستنكفون من ذلك ، ولا يعطون
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 279
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٧٩