ثُمَّ إنَّ قوله : مَرْدُودُونَ مفرد مردود ، وهو اسم مفعولٍ من ردّ بمعنى : رجع ، أي : مرجوعون ، وهو يفيد القهر بالرجوع ، أي : يُحمل على الرجوع حملًا وقهراً .
ولا يُحتمل أن يُراد منه المرّة الأُولى ، أي : أن يموت الإنسان ويُدفن ، فيصدق عليه أنَّه مردودٌ في الحافرة ، وإنَّما تعني المرّة الثانية التي يحصل فيها هذا الشيء ؛ لأنَّ هذا الاحتمال يستلزم إنكار الموت ؛ لأنَّهم يستنكرون أنَّهم سيدفنون ، ومن المعلوم أنَّه لا يوجد أحدٌ ينكر الموت ، بل كلّ الناس يؤمنون بالموت ، سواء كانوا مؤمنين أو غيرهم . فإذا كان سياق الآية هكذا أي : سياق استنكار الموت ( أي الموتة الأُولى ) ، فهذا غير محتملٍ أصلًا .
و ( في ) هنا يمكن أن تفيد معناها الأصلي ، وهو الظرفيّة ، فتكون الحافرة ظرفاً ، ويمكن أن تفيد الغاية ، أي : مردودون إلى الحافرة ؛ بقرينة الردّ ، فإنَّك تقول : رددت إليه ، ولا تقول : رددت فيه ، فأنت تلاحظ الطريق قبل وصوله إلى الهدف ، فتقول : ( ردَّ إلى ) ، لكن الله تعالى لاحظ الوصول فقال : ( في الحافرة ) ، وكلاهما ممكنٌ حسب اللحاظ المقصود .
الوجه الحادي عشر : ما ذكره في تفسير « الميزان » نقلًا عن غيره ، قال « 1 » : قيل : الآية تخبر عن اعترافهم بالبعث يوم القيامة ، والكلام كلامهم بعد الإحياء . ( أي : حينما رجعت إليهم الحياة يوم القيامة ، يقولون : أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ، أي : عجباً نحن جئنا من قبورنا ! كيف حصل ذلك ؟ ! ) . والاستفهام للاستغراب ، كأنَّهم لمّا بعثوا وشاهدوا ما شاهدوا ، يستغربون ذلك ، فيستفهمون عن الردّ إلى الحياة بعد الموت . يقول في « الميزان » : وهو
هامش
( 1 ) الميزان في تفسير القرآن 185 : 20 - 186 ، تفسير سورة النازعات .