ونقول : إنَّه استنكارٌ صحيحٌ ، والسياق لا يدلّ على نفيه ، والإشكال إنَّما جاء لأنَّ السياق يدلّ على نفي الاستنكار ، مع أنَّه لا دليل على أنَّ السياق يدلّ على نفيه ، بنحوٍ يكون مضمون السياق : أنَّنا غير مدركين للحافرة ، نموت مرّةً أُخرى ، ثُمَّ ندفن مرّةً أُخرى ، وندفن بعد أن ندفن ؟ !
إلّا أنَّ هذا الوجه قابلٌ للمناقشة ؛ لأنَّنا نسأل : أنَّهم لماذا يقولون هذا الكلام ؟ لأنَّ هذا الأمر إذا كان مشكلةً اجتماعيّةً معاشةً أو سؤالًا عامّاً في الأذهان ، فيُجاب عنه : بأنَّه لا يوجد هكذا شيءٌ ، ولكن الحال ليس كذلك ، فيكون هذا الكلام منهم مستأنفاً ولغواً ؛ لأنَّهم يتابعون جواباً عن سؤالٍ لا وجود له .
الوجه الثاني : ما أفاده الراغب من : أنَّ قوله : فِي الْحَافِرَةِ حالٌ « 1 » ، أي : هل نحن مردودون إذا كنّا في الحافرة ، أو حال كوننا في الحافرة ، وهو استبعاد الحياة بعد الموت ، وهذا في نفسه صحيحٌ .
الوجه الثالث : أن تكون ( في ) بمعنى ( من ) ، وقد ذكرنا أكثر من مرّةٍ أنَّ الحروف بعضها يُستعمل محلّ البعض الآخر ، إمّا حقيقةً أو مجازاً ، والمراد : أنَّنا راجعون إلى الحياة من القبر ، أو راجعون إلى الآخرة بعد الموت ، فمردودون أي : راجعون . إلّا أنَّه يرد على هذين الوجهين الأخيرين : أنَّ معنى الرجوع هو الرجوع إلى الحال الذي كان عليه ، وهو الكون في الدنيا ، فمردودون يعني إلى نفس المكان الذي خرجوا إليه ، وهو الدنيا ، فالردّ إذا كان للآخرة سيكون خلاف الظاهر ، فيكون المراد هو الرجوع إلى الدنيا . اللّهمّ إلّا أن يُقال : إنَّه بمعنى مجرّد الرجوع إلى الحياة الأعمّ من الدنيا والآخرة ، وهذا في نفسه يحتاج
هامش
( 1 ) أُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : 123 ، مادّة حفر .