وقوله تعالى : أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ إمّا أن نقول هنا بتقدير شيءٍ من قبيل : ( أبصار أصحابها خاشعةٌ ) كما هو الفهم المشهور ، فهو يعود على القلوب لا بذاتها ، وإنَّما بعنوان كونها قلوب أشخاصٍ . وإّما أن نقول : إنَّ للقلوب أبصاراً ، وتلك الأبصار خاشعةٌ ، وهو أقرب إلى الدلالة المطابقيّة للآية ، كما نسمع قوله تعالى : فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ « 1 » . فكيف تعمى ؟ مع أنَّ العمى لا يصلح لمن ليس له قابليّة الإبصار ، فالقلوب لها أبصارٌ ، وتلك الأبصار خاشعةٌ ، ومن المعلوم أنَّه كما أنَّ البصر الظاهري قد يكون خاشعاً ، فكذلك البصر القلبي قد يكون خاشعاً . ومن الواضح أنَّ واجفةً وخاشعةً صفتان مقترنتان للقلب نفسه .
* * * * قوله تعالى : يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ :
أمّا عن الحافرة فقد قال الراغب : قال الله تعالى : وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ « 2 » أي : مكانٍ محفورٍ ، ويُقال لها حفيرةٌ « 3 » .
أقول : وهي صيغة فعيلٍ بمعنى المفعول ، فحفيرةٌ أي محفورةٌ .
ثُمَّ قال : الحفر التراب الذي يخرج من الحفرة « 4 » ، فيصبح صفةً مشبّهةً ، وهو بنفس صيغة المصدر حفر . والحفر هو عمليّة الحفر الذي هو معنى اسم المصدر . والحفر بمعنى التراب الذي يخرج من الحفر ، فهو نفسه ، فيكون
هامش
( 1 ) سورة الحجّ ، الآية : 46 .
( 2 ) سورة آل عمران ، الآية : 103 .
( 3 ) مفردات ألفاظ القرآن : 123 ، مادّة حفر .
( 4 ) مفردات ألفاظ القرآن : 123 ، مادّة حفر .