الهواء سبحٌ ، ولا نريد من الهواء خصوص الطبقة الهوائيّة ، بل كلّ الفضاء الكوني ، ولا شكّ أنَّ النجوم تسبح في الفضاء الكوني في ضمن طريقٍ محدّدٍ لها ، وهو معنى الفلك . نعم ، التصوّر القديم للفلك يعتبر أنَّ الفلك نفسه يسبح ، وليس النجوم التي فيه ، فتكون هناك استعارةٌ بالاستعمال من باب الوصف المتعلّق كما يعبّرون مجازاً . ولعلّ هذا الذي حدى بالراغب أن يعتبره استعارةً .
فإن قلت : إنَّه تعالى قال : كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ « 1 » ولم يقل في الفضاء الكوني ؟
قلنا : نعم ، قال في الفلك ، ويريد بذلك أنَّها تسبح في ضمن الفلك أو مع تقيّدها بالفلك ، وهو المسار المخصّص لها ، فيكون سيرها في الفضاء وفي الفلك معاً ، فكونها في فلك لا يعني : أنَّها ليست في الفضاء ؛ لأنَّ الفلك نفسه من جملة الفضاء .
وعلى مستوىً آخر نتعرّض لمسألةٍ أُخرى في الآية ، وهي وجود المصدر ( سبحاً ) في الآية ، وهو يقتضي مزيّةً زائدةً لا محالة ؛ لأنَّ وجوده لابدّ أن يكون عن حكمةٍ وقصدٍ .
وفي الحقيقة لا نستطيع القول : إنَّه جاء لمجرّد حفظ النسق ونهاية الآيات ، بل ورد لحفظ المعنى ، مضافاً إلى حفظ النسق ، وإلّا بالإمكان أن يحفظ النسق بلفظٍ آخر ، لا بالمفعول المطلق من لفظه ومادّته ( سبحاً ) . فلذا قال : فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً « 2 » ولم يقل : ( والمدبرات تدبيراً ) فوجود المصدر في وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً يؤدّي معنى الشدّة في العمل أو الكثرة في الهمّة أو الكثرة
هامش
( 1 ) سورة الأنبياء ، الآية : 33 .
( 2 ) سورة النازعات ، الآية : 5 .