الأمر الثاني : أن نتنزل عمّا قلناه في الأمر الأوّل ونقول : إنَّ هذين المعنيين متباينان ، وليسا حصّتين لمعنىً واحدٍ ، ولكن نلتفت إلى معنىً نستطيع أن نسمّيه باطنيّاً ، ولكن عليه دليلٌ ظاهري ؛ لأنَّنا في الظاهر والفقه والأُصول نقول : إنَّه لابدّ أن يحمل النصّ على معنى عصر النزول ، ولا نستطيع أن نحمله على المعاني المتأخّرة عنه ، لكنّه في الباطن يمكن أن نتصور أنَّ القرآن الكريم يقصد معاني سوف تفهم في المستقبل ، فمن هذه الناحية هذا المعنى قابلٌ لأن يكون كذلك . وهذا عليه دليلٌ ظاهري ، وهو قوله تعالى : مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ « 1 » أي : حتّى المعاني المستقبليّة موجودةٌ فيه ، فمن الممكن على المستوى العالي صدور كلماتٍ ذات معانٍ غير منجّزةٍ ، وإنَّما هي معلّقةٌ على وجود من يفهمها ولو في المستقبل البعيد من الزمان ، وهذا ليس على القرآن ببعيدٍ ، ولكنّه معنىً باطني ، وليس حجّةً بالمعنى الظاهري .
وعلى أيّ حالٍ فلفظ الناشطات له طبيعةٌ واسعةٌ ، كما قلنا في لفظ النازعات ، ويكفي أن نلتفت إلى أنَّ النشاط قد يكون في طاعة الله وطلب الآخرة ، وقد يكون لطلب الدنيا وطلب الرزق ، فيختلف من حيث الهدف ، وتفاصيل الدنيا كثيرةٌ ، وبذلك تكثر الاحتمالات جدّاً . كما أنَّ النشاط مهما كان معناه فهو معنى إضافي له طرفان : طرف الفعل ، وطرف الشيء الذي أخرجه الفاعل ، وكلا الطرفين غير مذكورين في الآية الكريمة ، فتكون تطبيقاته ومصاديقه فوق حدّ الإحصاء . ثُمَّ إنَّ حذف المتعلّق يدلّ على الإطلاق والسعة ، أي : يمكن أن نجعل المتعلّق أيّ شيءٍ يناسب الحال إذا لم توجد قرينةٌ تعيّن شيئاً مّا .
هامش
( 1 ) سورة الأنعام ، الآية : 38 .