ولكن مشهور المفسّرين سار على الطريق التي اختطّها لنفسه ، وهو أن نفهم معنىً واحداً من الآية ، ومن هنا احتاروا في تعيين ذلك المعنى ، فذكر كلّ منهم المعنى الذي يقتنع به ويجده أقرب إلى وجدانه ، وقد عرفنا في هذا الدرس أنَّ هذا السير الذي خطّوه لأنفسهم خاطئٌ .
نعم ، في الفقه والأُصول نفهم من الكتاب والسنّة معنىً واحداً هو الدلالة الظاهريّة ، لكن في التفسير لا ينبغي أن نكون كذلك ؛ لأنَّ القرآن له عدّة معانٍ ، وهو نازلٌ من المصدر اللانهائي ، فيمكن أن يكون له معانٍ لا نهائيّةٌ . ويؤيّد ذلك ما ورد من أنَّ للقرآن سبعة بطونٍ أو سبعين بطناً ونحو ذلك « 1 » ، والقرآن قابلٌ للحمل على معانٍ كثيرةٍ . فإذا قلنا : إنَّ هذا التفسير هو الوحيد ، فأنا أستطيع أن آخذ به ، وأنت لا تستطيع أن تأخذ به مثلًا ؛ لأنَّه من المعاني المتأخّرة رتبةً عن زمان نزول القرآن ، فتكون حجّةً على قائلها ، وإنَّما نأخذ بالمعاني اللغوية والفصاحة السابقة رتبةً وزماناً على نزول القرآن . وعليه فكلّما قاله المشهور يرجع إلى القسم الأوّل دون الثاني ، ومن هنا ستكون المعاني التي نذكرها في المرحلة الثانية قابلةً للمناقشة ، إلّا من زاوية الفهم العامّ أو الواسع الذي فهمناه ، فإذا تمّ ذلك المعنى الواسع لم يتعيّن أيّ واحدٍ من هذه المعاني التي ذكرها المشهور .
المرحلة الثانية : في استعراض أهمّ أقوال المفسّرين مع التنزّل عمّا قلناه في المرحلة الأُولى .
وقد اختلفوا في ذلك اختلافاً شديداً إلى حدٍّ لا يُستطاع القول بوجود
هامش
( 1 ) أُنظر : تفسير الصافي 61 : 1 ، المقدّمة الثامنة ، تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة 57 : 1 ، تفسير سورة البقرة ، تحقيق مراتب القلب وإطلاقاته ، وغيرهما .