تماميّة إقرارهم ؛ وذلك أنَّهم يظهرون التورّع ؛ لأنَّهم إذا سألوا مثل هذا السؤال كأنَّهم ينتقدون القرآن الكريم ( والعياذ بالله ) ، فلذا نراهم يسكتون من هذه الناحية ، فهو ليس إقراراً منهم ؛ لأنَّ مقدّمات الحكمة تقول : إنَّه كان يستطيع أن يبيّن ولم يبيّن ، وهم هنا لا يستطيعون أن يبيّنوا ؛ تورّعاً عن انتقاد القرآن الكريم .
الوجه الثاني : أنَّه صياغةٌ خاصّةٌ للمصدر اختارها المتكلّم ؛ لتناسب النسق القرآني للآيات اللاحقة ، أي : لو لاحظنا اللغة الثابتة في المرتبة السابقة على القرآن ، لما وجدنا الغرْق مصدراً . لكن القرآن غيّر حركة الراء من الفتحة إلى السكون اختياراً ؛ لأجل مصلحة النسق ، مع ضمّ هذه الفكرة ، وهي أنَّ الذوق الأدبي واللغوي يعطي حرّيّةً وفرصةً لأديبٍ متبحّرٍ أن يخترع الألفاظ من نفسه ، ولا يعتب عليه في ذلك ؛ لأنَّه - لو صحّ التعبير - ثقةٌ من الناحية الأدبيّة وفاهمٌ ومتعمّقٌ جدّاً ، بل وضعها عن علمٍ وعمدٍ ككلمةٍ لغويّةٍ جديدةٍ ؛ لأنَّه أفضل من كلّ المجتمع الذي وضع الألفاظ اللغويّة ، فمن حقّه أن يتكلّم بالكلام اللطيف المناسب المفهوم . فإذا كان هذا ممكناً وثابتاً للمخلوق ، فكيف لا يكون ثابتاً للخالق ؟ ! فحتّى لو كانت الكلمة غير موجودةٍ في المرتبة السابقة لنزول القرآن ، فإنَّ من حقّ الله سبحانه وتعالى كمتكلّمٍ بالقرآن أن يقول شيئاً من هذا القبيل طبقاً لهذا الارتكاز .
الوجه الثالث : بعد التنزّل عن الوجهين السابقين نقول : إنَّ مصدر غَرَق يغرَق ليس ( غَرْقاً ) ، وهذا قرينةٌ على أنَّ اللفظ الوارد في الآية ليس مصدراً لغرق يغرق ، كما زعمت مصادر التفسير « 1 » ، وإنَّما ( غَرْقاً ) الوارد في الآية هو
هامش
( 1 ) أُنظر : إعراب القرآن وبيانه 365 : 10 ، سورة النازعات ، إعراب القرآن للنحّاس 88 : 5 ، سورة النازعات ، وغيرها .