تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
وهناك فكرةٌ لابدّ من الإشارة إليها ، وهو أنَّ الماء له قعرٌ ، وهذا صحيحٌ ، لكن هناك أنواع من الغرق لا قعر لها ، من قبيل الغرق في البلاء أو الغرق في النعمة ، وعليه نقول : إنَّ الرسوب في قعر البلاء مثلًا ليس له معنىً ؛ لأنَّه أمرٌ معنوي ، فلا يؤخذ الرسوب شرطاً في صدق الغرق ، كما أنَّه لا دخل لكثرة الماء في صدق الغرق ومفهومه ، فيمكن أن يغرق الإنسان في نهرٍ ، ويمكن أن تغرق الحشرة في إناءٍ صغيرٍ ، فالغرق أعمّ من هذا كلّه ، فهذه المحتملات كلّ واحدةٍ منها تصلح كأُطروحةٍ لغويّةٍ في معنى الغرق . وعليه فهذه المعاني قد تصل إلى ( 16 / 42 ) احتمالًا . والإشكال الرئيسي في قوله تعالى : غَرْقاً إنَّما هو في الهيئة ؛ فإنَّ الغرق المستعمل في الآية بسكون العين ( غَرْقاً ) لا ( غَرَقَاً ) ، فيتعيّن أن يكون مصدراً لغرق يغرق ، مع العلم أنَّ المصدر المشهور بفتح العين لا سكونها ، وهو ( غَرَق ) . وجواب ذلك من عدّة وجوهٍ : الوجه الأوّل : أن نقول : إنَّ ( غَرْق ) و ( غَرَقَ ) كلاهما مصدرٌ بمعنىً واحدٍ ، كما هو الحال في المترادفين ، أي : نطقه العرب على كلا الشكلين ، واختار الله في كلامه ما هو ساكنٌ منهما ؛ لأجل النسق القرآني في سائر آيات هذه السورة ، وكلاهما فصيحٌ وصحيحٌ . لكن أهل اللغة لم يصرّحوا بذلك ، وهو أنَّ ( غَرْقاً ) بالسكون مصدرٌ لغرق يغرق ، إلّا أنَّنا نستطيع الاستدلال بشيءٍ واحدٍ ، وهو أنَّ المصادر التفسيريّة واللغويّة من قبيل الراغب وغيره لم يحتجّوا بأنَّ ( غَرْق ) ليس بمصدرٍ ، بل سكتوا واعتبروه مصدراً فصيحاً « 1 » ، وسكوتهم إقرارٌ بالمعنى اللغوي . إلّا أنَّني لا أستطيع أن آخذ بهذا الوجه ؛ وذلك لعدم
هامش
( 1 ) أُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : 372 ، مادّة غرق ، وغيره .