ويمكن حمل غبرة على المعنى المطابقي ، فلماذا نحملها على المعنى المجازي من الغمّ ؟ لا بل نقول حقيقةً : عليها غبرةٌ . ولا مانع من ذلك ؛ فنحن لا نتصوّر جهنم ؛ إذ لعلّ فيها أشكالًا من العذاب منها : أنَّها تغبِّر الوجه ، فهو وصف للكفّار ، وربما كانت وجوههم عليها غبرةٌ ، وترهقها قترةٌ .
* * * * قوله تعالى : تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ :
قال الراغب : رهقه الأمر غشيه بقهرٍ . يُقال : رهقته وأرهقته نحو ردفته وأردفته وبعثته وابتعثته . قال : وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ « 1 » ، وقال : سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً « 2 » . ومنه أرهقت الصلاة إذا أخّرتها حتّى غشي وقت الأُخرى « 3 » .
أقول : المهمّ هنا في الإرهاق هو المعلول أو النتيجة ؛ فإنَّ الإنسان إذا غشيه شيء بقهرٍ فإنَّه يتعب ويضطرب ، فتسمّى حالته إرهاقاً ، فغشيان الشيء هو العلّة ، والمعلول هو الإرهاق والتعب والنصب الناشئ عن ذلك . والراغب سمّى العلة إرهاقاً قائلًا : غشيه شيء بقهرٍ ، ولكنّنا نسمِّي المعلول إرهاقاً ، وهو النتيجة النفسّية أو الجسديّة التي تحصل للإنسان .
وربما قيل كأُطروحة : إنَّ الإرهاق يشمل كلتا الجهتين ، ونحمل عليهما الآيات القرآنيّة ، فيُراد بها العلّة أحياناً ، كما في قوله تعالى : تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ، أي : تغشاهم ، وقوله : تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أي : تغشاها ، ويُلاحظ هنا جانب العلّة ، أي : تصير عليها دون إرادتها . وقد يُراد المعلول ، كقوله تعالى : سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً ،
هامش
( 1 ) سورة يونس ، الآية : 27 .
( 2 ) سورة المدّثّر ، الآية : 17 .
( 3 ) مفردات ألفاظ القرآن : 210 ، مادّة رهق .