فكأنَّ المقتر والمقتّر يتناول من الشيء قُتاره . وقوله : تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ نحو غَبَرَةٌ وذلك شبه دخانٍ يغشى الوجه من الكذب « 1 » .
فإن قلت : على هذا يكون الأمر متكرّراً بنحوٍ آخر ؛ فإنَّ احتمالات التكرار في الآية متعدّدةٌ ، فيكون التكرار في ( غبرة وقترة ) بالمعنى المجازي بلحاظ أنَّ محصّلهما واحدٌ ، وبالمعنى الحقيقي بلحاظ أنَّنا نفهم من القتيرِ الغبارَ ؛ فإنَّه من أسماء التراب والغبار ، فيُقال : الغبار ، والعثير ، والقتير ، والنقع ، أسماء لشيءٍ واحدٍ ، فتكون الغبرة والقترة مترادفين ، ولازمه التكرار .
قلت : أوّلًا : ما تقدّم من أنَّ التكرار لا بأس به مع عدم تكرار اللفظ .
وثانياً : إنَّنا نمنع التكرار ؛ لأنَّه لا تكرار في المقام ؛ وذلك لعدّة أُطروحات : منها : أنَّ المراد بالأوّل الغبار ، وبالثاني الدخان ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ أي : الغبار ، وتَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ أي : دخان جهنّم .
ومنها : إنَّه لا تكرار لأنَّ النظر في الأوّل إلى المعلول ؛ حيث أُخذ صفة الوجه عَلَيْهَا غَبَرَةٌ وفي الثاني النظر إلى العلّة ، أعني : الجهة النفسّية ، وهي قوله تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ففي الإمكان منع التكرار لأكثر من وجهٍ .
* * * * قوله تعالى : أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ :
قوله : أُولَئِكَ إشارةٌ إلى الوجوه التي ترهقها قترةٌ ، وهو دليل على ما تقدّم من أنَّه يُراد بالوجوه الذات ، والوجه مأخوذٌ على نحو الطريقيّة إلى الذات والنفس ، ومن هنا صحّ التعبير بأُولئك ، وإلّا للزم أن يشير إلى الوجوه ب - ( هذه ) . وإن تنزّلنا عن الطريقيّة لزم التقدير : بأن يُراد أصحاب الوجوه ، أو
هامش
( 1 ) مفردات ألفاظ القرآن : 407 ، مادّة قتر .