فالذين يحشرون بغير حسابٍ لارتفاع شأنهم عند الله يصدق عليهم أنَّ وجوههم وجوهٌ مسفرةٌ ضاحكةٌ مستبشرةٌ ، فيصدق ذلك يوم القيامة ، فضلًا عمّا إذا دخلوا الجنّة ، وإن لم يدخلوا الجنّة بعد .
الجهة الثانية : أنَّ المراد من وُجُوهٌ المعنى الطريقي إلى الذات ، وليس المراد هو الوجوه بما هي ، كما لو قلت : ( وجهه أبيض أو أسود ، أو في وجهه خالٌ ) . فالمراد من الوجه في هذه الأمثلة هو الوجه بالذات ، خلافاً لما هو المراد منه في الآية ؛ إذ المراد من الوجه هو الطريق إلى ذات الإنسان ونفسه ، وإنَّما نسب السرور والحزن إلى الوجه ؛ لأنَّهما يظهران على الوجه بوضوحٍ ، وإلّا فإنَّ السرور والحزن يحصلان في القلب والنفس قبل أن يظهرا على الوجه ، أو قل : يحصلان في المرتبة السابقة في النفس ، ثُمَّ ينعكسان على الوجه . ونحوه الكلام في الوجوه التي عليها قترةٌ ، أي : الوجه طريقٌ وإشارةٌ إلى الحالة النفسيّة السيّئة التي يعيشها الإنسان ، فكأنَّ النفس عليها قترةٌ .
الجهة الثالثة : بيان مادّة ( سفر ) . ولقد تقدّم البحث عن هذه المادّة عند قوله تعالى : بِأَيْدِي سَفَرَةٍ فلا حاجة إلى التكرار . لكن أوّد أنَّ أُشير هنا إلى قول الراغب : السفر : كشف الغطاء « 1 » . وما أفاده نافعٌ في فهم الآية ؛ فإنَّه ليس المراد من الآية الكريمة وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ أي : مكشوفة ؛ بقرينة قوله : ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ لأنَّه لو فسّرناها بالانكشاف فلا ملازمة بين انكشافها وبين الضحك والاستبشار هذا أوّلًا .
وثانياً : أنَّه يمكن أن نقول : إنَّ كلّ الوجوه مكشوفةٌ يوم القيامة ، فوصفها بكونها مسفرةً مستدركٌ بمنزلة اللغو ، فلابدّ من فهم السفر بمعنى
هامش
( 1 ) مفردات ألفاظ القرآن 239 ، مادّة سفر .