عذابه بسببهم .
الوجه الثامن : أنَّ هذا الفرار يحصل في بعض أشكال البلاء الدنيوي ، فالإنسان يكون في بلاءٍ من مرض شديد أو فقرٍ مُدقعٍ أو تقيّةٍ شديدةٍ أو حربٍ .
فإن قلت : تقدّم أنَّ هؤلاء يواسون المرء ويخفّفون عنه ما فيه من بلاءٍ .
قلت : هذا صحيحٌ ، إلّا أنَّه يمكن افتراض أنَّ الإنسان يكون في بلاءٍ شديدٍ بحيث لا يتوقّع أن ينفعه هؤلاء أو يدفعوا عنه البلاء ، وربما يكون وجودهم ضرراً عليه ، كما لو كانت كثرة العيال موجبةً لزيادة النفقة وشدّة الفقر وتراكم الهموم ، فهو إمّا يائس من نفعهم ، أو مستشعرٌ لضررهم في الآخرة ، فيفّر منهم بأحد معاني الفرار المتقدّمة ، ولا أقلّ من الفرار من الناحية النفسيّة .
الوجه التاسع : أنَّ سبب فرار المرء من هؤلاء هو شعوره بالاستغناء المادّي واعتداده بنفسه وإحساسه بأنَّه أرقى من الآخرين وأنَّه مستغنٍ عنهم مادّيّاً ، فاعتداد المرء بعلمه أو بمكره أو بسلطانه أو بماله واستغناؤه عن الآخرين ربما يدفعه للفرار عن هؤلاء المذكورين في الآية وعن غيرهم بالأولويّة ، بل ربما يتسّببون له بالمشاكل ، بأن يكدِّروا عليه صفو عيشه ، فيفرّ منهم ويتخلّص من مشاكلهم .
الوجه العاشر : أنَّ سبب الفرار هو شعور الإنسان بالاستغناء المعنوي ، فهو مستغنٍ بالله عمّا سواه ؛ حيث يرى أنَّه هو النافع دون سواه ، فتسقط الأسباب من عينه عن الاعتبار إلّا سبباً متّصلًا بسببه ، فإذا جاء أحدهم إليه لينفعه رفض الاعتماد عليه ؛ لأنَّه يرفض كلّ الأسباب ويعتمد على مسبّب
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 211
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢١١