لحاله ، فيشعر بشيءٍ من الراحة ، فلماذا يفرّ منهم . وكما قال الشاعر :
ولابدّ من شكوى إلى ذي مروءةٍ * يواسيك أو يسليك أو يتوجّع
« 1 »
وعليه فالرأي المشهور غير وجيهٍ .
الوجه الثاني : أنَّ الوجه فيه هول يوم القيامة أيضاً ، ويحمل على الفرار الاضطراري لا الاختياري ، كما لعلّه مراد المشهور ، وهو ظاهر عبارة « الميزان » « 2 » ، إلّا أنَّه خلاف ظاهر الآية ؛ لأنَّ ظاهرها الفرار الاختياري لا الاضطراري .
الوجه الثالث : أنَّ الوجه فيه هول يوم القيامة أيضاً مع الالتفات إلى أنَّ الفرد قد يكون أساء وارتكب ذنوباً كثيرة ، ولا يخفى أنَّ أكثر العلاقات مع أفراد الأُسرة ، فتكون الإساءات مع أفراد الأسرة أكثر وأشدّ ، وسوف تُعرض يوم القيامة ، فحينئذٍ يفرّ المرء من هؤلاء ، ومن هنا يكون أحبّاؤه في الدنيا خصومه في الآخرة ، فيفرّ منهم ؛ لكي ينجو من مطالبتهم بحقوقهم ، ولن ينجو قطعاً .
الوجه الرابع : أنَّ المؤمن يفرّ من هؤلاء ؛ لكثرة ما يرى من الثواب الذي حصل عليه في الجنّة ؛ لأنَّ وجود هؤلاء قد يكدِّره وينفِّره .
ويُلاحظ عليه : أنَّ ظاهر بعض الآيات يدلّ على أنَّ من سعادة المؤمنين وجود أُسرهم معهم في الجنّة ، ولذا يبشّرهم الله سبحانه بذلك : جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ
هامش
( 1 ) البيت للشاعر بشّار بن برد ، حسبما ذكره في نهاية الأرب في فنون الأدب 79 : 3 .
( 2 ) راجع الميزان في تفسير القرآن 210 : 20 ، تفسير سورة عبس .