فإن قلت : إنَّ جواب الشرط المذكور بعيدٌ ، وتفصله عن الشرط ثلاث آياتٍ عن فعل الشرط .
قلت : نعم ، إلّا أنَّه بحسب التركيب الجُملي غير بعيدٍ ؛ فإنَّ قوله تعالى : يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ جملةٌ واحدةٌ تشتمل على معطوفاتٍ متعدّدةٍ ، والمعطوف لا يكون فاصلًا مضرّاً بين فعل الشرط وجوابه .
ومنها : أن يكون الجواب قوله تعالى : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ « 1 » أو قل : إنَّ هذا التقسيم بين الصنفين هو الجواب ، يعني : عندما تقع الصاخّة ينقسم الناس إلى هذين القسمين أيضاً . وهذا معنىً لطيفٌ ، إلّا أنَّه يرد عليه أنَّه يفصله عن جملة الشرط جملٌ أُخرى تصلح لأن تكون جزاءً للشرط ، فالأَولى أن تكون أقرب الجمل هي الجزاء .
* * * * قوله تعالى : وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ :
والصاحب اسم فاعل ، ومؤنّثه الصاحبة ، ومادّة صاحب يصاحب تأتي مجرّدة : صحب فهو صاحبٌ ، ومزيدة : صاحَبَ فهو مُصاحبٌ ، ومصدرهما صحبةٌ . وأمّا مصاحب فهو مصدرٌ ميمي . ولم يقل : مُصاحبته ، بل قال : صاحبته ؛ لأنَّه المعنى العرفي واللفظ المشهور . و ( صحب وصاحب ) متعدّيان .
ثُمَّ إنَّ المشهور يرى أنَّ صاحبته بمعنى زوجته ، وهذا المعنى بنفسه وجيهٌ وموافقٌ للعناوين الأُخرى المذكورة إذا فهمنا من السياق أنَّ المقصود الإشارة إلى الرحميّة والعلاقة الأُسريّة ، فيتعيّن بالقرينة المتّصلة أن يكون المراد هو الزوجة . إلّا أنَّنا إذا فهمنا من السياق معانٍ أُخر باطنيّة أو اجتماعيّة ، دنيويّة أو
هامش
( 1 ) سورة عبس ، الآية : 38 - 40 .