ونحوها ، وكذا لو اتّخذ مسلك البلاء الدنيوي الاختياري ، كما لو انقطع الإنسان عن الشهوات وزهد في الدنيا ، فيفرّ حينئذٍ من أخيه وأُمّه وأبيه ، فيكون هدفه رضا الله سبحانه ، فيفّر من هؤلاء . ونحوه ما إذا وصل الفرد إلى مدارج اليقين ؛ فإنَّه يفّر منهم ؛ إذ لا قيمة عندئذٍ لمثل هذه القرابات والمنافع الدنيويّة ، وهكذا الكلام في حالة الاحتضار .
فإن قلت : إنَّ الفرد في حالة الاحتضار يكون أشدّ تعلّقاً بهؤلاء المذكورين في الآية كما في قوله تعالى : قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ « 1 » ، وقيل : إنَّ أحدهم مات وعينه على أمواله وأبناءه وعياله وأقاربه وعلاقاته الدنيويّة ، فكيف نقول بأنَّه في حالة الاحتضار يفرّ من أخيه وأُمّه وأبيه ؟
قلت : المحتضرون على قسمين : فإمّا أن يكون فارّاً عاطفيّاً من الدنيا ومن فيها ؛ لإسقاطه أهمّيّتها في عينه ، أو لاشتغاله بمزيدٍ من الثواب أو مزيدٍ من العقاب ، أو بنزع الروح ، فلا يتذكّر الدنيا ومن فيها ، وإمّا أن يكون فارّاً من هؤلاء قهراً بقهر الله تعالى ، فيسحبه من بينهم بعد انقضاء أجله في الدنيا ، وكذا ما يحصل في حال الاحتضار والموت .
ولا يقصد بالفرار في الآية خصوص الحقيقي والهرب كما يفرّ المرء من الأسد ، وبمجرّد أن يرى أُمّه وأباه يهرب منهم ، بل الفرار معنى عامّ مفاده الانزجار والضيق من هؤلاء فضلًا عن غيرهم ، فيحصل نتيجة لهذا الضيق ما نطلق عليه بنتيجة الفرار . وله مصاديقٌ كثيرةٌ ، منها : أن يطرد هؤلاء ، فيفرّون عنه ، وقد يكون بمجرّد الإعراض عنهم ، وقد يكون بمجرّد البغض
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآيتان : 94 - 95 .