هناك قد لا يجد أُمّه وأباه وأخاه لكي يفرّ منهم ، إلّا أن يُحمل على بعض الموارد كمن وجد أقاربه ، أو على الاقتضاء دون الفعليّة ، يعني : أنَّ حاله يقتضي أنَّه لو وجدهم لفرّ منهم ، فيكون نحواً من أنحاء المجاز والتكلُّف المخالف للظهور العرفي ، وسيأتي أنَّ هذا الفرار ممّا يمكن حصوله في الحياة الدنيا .
ثُمَّ إنَّه ليس المراد من القلب في قول الراغب : وقد قُلب عنه أصاخ يصيخ القلب اللفظي ؛ لوضوح أنَّه منسجمٌ معه لفظيّاً : صاخ وأصاخ ؛ إذ لم يحصل فيه تقديمٌ لأحد الحروف على الآخر ، بل أراد قلب المعنى ؛ إذ الأصل في الصاخّة هو الصوت المرتفع ، فصار المعنى هو سماع الصوت ، أصاخ يعني : سمع . كما يوجد احتمالٌ آخر في القلب ؛ لأنَّ المعنى هو الصياح المرتفع ، فصار المعنى هو سماع الصوت المنخفض ؛ لأنَّ إصاخة السمع تعني التدقيق في السماع ، وغالباً ما يصدق على الصوت المنخفض دون المرتفع . كما أنَّه قد يُراد به الاستماع الحسن لأيّ مستوى من الكلام أو الإطاعة أو التنفيذ . يُقال : اسمع بمعنى : أطع ، فالإصاخة هي الدقّة في السماع ، ما يعني الدقّة في الطاعة .
فتحصَّل من معنى الصاخة أُمورٌ :
الأوّل : الكلام المرتفع مطلقاً ، لا الصوت المرتفع خاصّة .
الثاني : الكلام المرتفع حينما يكون مزعجاً .
الثالث : الكلام المرتفع حينما يكون مؤثّراً .
الرابع : أنَّه اسم فاعلٍ من الإصاخة ، يعني : ما يحمل على ذلك ، وصخّ غيره أي : سبّب له الإصاخة ، يعني : حمله على أن يستمع له ، فهو صاخٌّ له .
الخامس : التوسّع في ذلك إلى مطلق البلاء الدنيوي ؛ لأنَّه يصخّ أيضاً بمعنى : أنَّه يؤذي ، والبلاء الدنيوي لا يخلو من فائدةٍ ؛ لما يوجبه من التذكير
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 202
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٠٢