حسب تفسير الراغب الأصفهاني ، وهو مراده من قوله : الصاخّة شدّة صوت ذي المنطق ، يعني : الكلام المفهوم ، ولا يشمل الصيحة المهملة مهما كانت مرتفعةً .
ثُمَّ إنَّ الصاخّة مأخوذ فيها قِصَرُ زمنها ، ولو بمقدارٍ صيحةٍ ، بأن تمتّد لثوانٍ أو لدقائق ، فلو كان كلاماً طويلًا لم يكن صاخّة ، سواء كانت من الكلام المهمل أم المستعمل . فتحصّل أنَّ الصاخة كلامٌ منطوقٌ قصير الزمن مرتفعٌ جدّاً .
ولا يخفى : أنَّ استشهاد الراغب بقوله تعالى : يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ على أنَّ المراد بالصاخّة هي القيامة قابلٌ للمناقشة ؛ لأنَّه بعد أن اعترف بأنَّ الصاخّة هي الكلام المنطوق أو المفهوم لم تصدق على نفخة الصور ؛ لأنَّها وإن كان مرتفعةً جدّاً بحسب تصوّر المتشرّعة ، إلّا أنَّها مهملةٌ أيضا حسب تصوّر المتشرّعة ، فهي صوتٌ لا من جنس الكلام ، فكيف يصدق عليه معنى الصاخة الذي هو معنى الكلام المنطوق .
فإن قلت : يصدق مجازاً على الأقلّ .
قلت : الحمل على المجاز جائزٌ ، إلّا أنَّه يحتاج إلى قرينةٍ ، ولا تكفي العلاقة المجازيّة فقط ، والقرينة مفقودةٌ في السياق ، فيكون استعمال المجاز خلاف الأصل ، بل هو غلطٌ ، بل هناك شهرةٌ أو تسالمٌ بين علماء البلاغة والنحو والأُصول على عدم صحّته بدون قرينةٍ .
فإن قلت : القرينة موجودةٌ هنا في السياق ، وهي قوله تعالى : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ، ولا يكون ذلك إلّا يوم القيامة .
قلت : إنَّ فرار المرء من أخيه وأُمّه وأبيه لا يحدث يوم القيامة ؛ لأنَّ الفرد
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 201
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص٢٠١