الطعام الناتج من النبات ، أو قل : النباتات المذكورة في الآية من قبيل : الزيتون والنخل والعنب والأبّ ، فهي متاعٌ لكم ولأنعامكم ، أي : ما يوجب لذّةً لكم وبهجةً وراحةً . أو يُراد المعلول الذي هو اللذّة النفسيّة أو لذّة تذوّق الطعام ، وهذا يحصل للإنسان والحيوان ، ولذا قال تعالى : لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ .
فإن قلت : قوله تعالى : مَتَاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ يفيد : أنَّ كلّ واحدٍ من هذه الأشياء المذكورة متاعٌ للإنسان ، كما أنَّها متاعٌ للحيوان ، مع أنَّ الأمر ليس كذلك ؛ لوضوح أنَّ بعضها مختصٌّ بالحيوان مثلًا ، وهو الأبُّ ، وبعضها مختصٌّ بالإنسان ، كالتمر .
قلت : الجواب واضحٌ ؛ لأنَّ المراد أنَّ المجموع المذكور في الآيات السابقة يتّصف بكونه متاعاً للإنسان والحيوان معاً ، بغضّ النظر عن التفاصيل ، واختصاص بعضه بالإنسان كالتمر ، وبعضه بالحيوان كالأبِّ ، واشتراك البعض كالحبّ والقضب .
كما توجد ملاحظةٌ يمكن أن يندفع بها الإشكال المتقدّم ، وهي أنَّ الأُمور المعدودة في الآيات من قبيل ( النخل ) لم يُؤخذ فيها الثمار ، بل النخلة ككلّ : الثمار والجذوع والسعف والنوى ، وبهذا يمكن أن يأكل الإنسان التمر ، والحيوان كالغنم يأكل النوى ، فصحّ أنَّ التمر يأكله الإنسان والحيوان .
ولا يخفى : أنَّ السياق العامّ للسورة بدأ بذكر الله سبحانه قائلًا : كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ بعد تجاوز حادثة الأعمى في بداية السورة ، ثُمَّ نحى باللائمة على من ترك الذكر قائلًا : قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ، ثُمَّ صار بصدد تعداد نعم الله على الإنسان التي تستوجب أن يكون الإنسان ذاكراً لربّه شاكراً لنِعَمه جلّ جلاله . واتَّبع السياق أُسلوبين للتنبيه على هذا الأمر : الأوّل : ببيان قهر الله
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 199
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٩٩