وليس هذا غلطاً لغةً .
ثُمَّ إنَّ المشهور مع تفسيرهم ( أبّاً ) بالمرعى الذي تأكله الحيوانات فسّروا القضب أيضاً بالنبات الذي تأكله الحيوانات ، فيكون معنى القضب والأبّ واحداً ، وهما وإن لم يكونا بالدقّة شيئاً واحداً ، إلّا أنَّهما في العرف شيءٌ واحدٌ ، فيرجع أحدهما إلى الآخر ، ويلزم التكرار في السياق ، وهو منافٍ لفصاحة القرآن الكريم .
ويمكن الجواب عن هذا الإشكال بوجوهٍ :
الأوّل : أن نناقش الكبرى فنقول : ليس كلّ تكرارٍ غلطاً وقبيحاً ، بل إنَّما يكون غلطاً إذا اشتمل على أُمور : أحدها : أن يكون لفظيّاً ، وثانيها : أن يكون بدون حكمةٍ وبلا مناسبةٍ . ويرتفع المحذور بفقدان أحد هذين الأمرين ، فإذا كانت هناك مناسبة وحكمة فإنَّه يحسن التكرار ، وذلك من قبيل تكرار قوله تعالى : فَبِأَيِّ آَلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ « 1 » في سورة الرحمن ، ونحوه ما إذا لم يكن التكرار لفظيّاً بل معنويّاً . ومحلّ كلامنا من الثاني ؛ إذ لا تكرار لفظي ، بل هناك تكرارٌ للمعنى بألفاظٍ مختلفةٍ أحدهما مادّته ( الأبّ ) والآخر ( القضب ) فيرتفع المحذور من هذه الناحية .
الثاني : أنَّ التكرار وإن كان في الأصل منافياً للبلاغة - بعد التنزّل عن الوجه الأوّل - إلّا أنَّه لا مانع منه عند اقتضاء المصلحة ، وهي هنا ضبط نسق الآيات ؛ إذ لا توجد كلمة تحفظ نسق الآيات سوى كملة ( أبَّا ) .
الثالث : أنَّه لا تكرار في المعنى في المقام ؛ لاحتمال اختلاف المعنى بين القضب والأب ، فإنَّه يمكن جعل القضب خاصّاً بالإنسان بأن يُقال : هو
هامش
( 1 ) تكرّرت هذه الآية في سورة الرحمن 31 مرّةً .