أقول : مادّة الأب التي نتحدَّث عنها يخرجها الراغب بعنوانٍ آخر ، فهو يذكر هذه المادّة ثلاث مرّاتٍ ، يعني : ( أب ) له ثلاث موادّ بثلاثة أوضاع لغويّة . وربما تكون الدلالة على ذلك أنَّ الأب بمعنى الوالد ساكن الباء ، والأب بمعنى النبات مشدّد الباء ( أبّ ) ، لكن هذا لا يعني المغايرة بين المادّتين مغايرةً حقيقيّةً وأنَّهما متباينان لمجرّد مغايرة الثلاثي مع المزيد . ولعلّ الأب الذي بمعنى الوالد بمنزلة الثلاثي ، والأبّ المشدّد بمنزلة المزيد ، اللّهمّ إلّا أن يُقال : إنَّ الأب بمعنى الوالد أصله ( أبو ) والآخر أصله ( أبب ) فيكون من مادّةٍ أُخرى ، كما لا يبعد . وحينئذٍ يرد الإشكال على الراغب من أنَّ عليه أن يقدّم ( أبب ) على ( أبو ) ، مع أنَّه في « المفردات » قدَّم ( أبو ) على ( أبب ) ، وربما فاته ذلك ، مع أنَّه حاذقٌ في فنّه والعصمة لأهلها .
ويقول الراغب في مادّة ( الأب ) بمعنى النبات الذي نتكلّم عنه في الآية الشريفة وَفَاكِهَةً وَأَبّاً ما يلي : الأب المرعى المتهيّئ للرعي والجزّ ، من قولهم أبّ لكذا ، أي : تهيّأ أبّاً وإبابةً وإباباً . وأبّ إلى وطنه إذا نزع إلى وطنه نزوعاً تهيّأ لقصده ، وكذا أبّ لسيفه إذا تهيّأ لسلّه . وإبّان ذلك فعلان منه ، وهو الزمان المهيّأ لفعله ومجيئه « 1 » .
أقول : يمكن تقديم أكثر من أُطروحةٍ في الأصل اللغوي لهذه المادّة :
الأُولى : أنَّ ( أبَّ ) محرَّفٌ أو مأخوذٌ من هبّ ، كما يقال : ( هبّ ودبّ ) وهبّ بمعنى : نهض وهمّ بالشيء ، ومن هنا فسّره الراغب بالتهيّؤ ؛ لإفادته المعنى بنحوٍ وآخر .
الثانية : أنَّه مادّةٌ مستقلّةٌ أصلها ( أبَبَ ) بمعنى : تهيّأ ، ويكون الأب
هامش
( 1 ) مفردات ألفاظ القرآن : 2 ، مادّة أب .