ويمكن تقديم أُطروحةٍ أُخرى بأن يُقال : الفاكهة في الأصل هي الثمرات التي تُؤكل من دون طبخٍ ، وحيث إنَّ أكل هذه الثمرات يُحدِث لذّةً في النفس وراحة سُميَّت هذه الراحة بالتفكُّه ، ثُمَّ سُميَّت أسبابها الأُخرى - غير أكل الفاكهة - كالحديث المؤنس وغيره بالتفكّه ، وإلّا فالفاكهة في الأصل هي ما تقدّم .
فقد اتّضح لدينا فكرةٌ عن حدود الفاكهة ، لكن ما يزال هناك إجمالٌ وغموضٌ في اللغة والعرف ، وربما لا يُعلَم حال التمر مثلًا ؛ لأنَّه إن كانت الفاكهة هي الثمار التي تؤكل دون طبخ فالتمر كذلك ، ولكنه يوجد ارتكازٌ أنَّ الفاكهة لا تشمل التمر ، كما أشار إليه الراغب من : أنَّها لا تشمل العنب والرمان . والغرض : أنَّ ظاهر الآية خروج التمر الذي هو ثمرة النخل من الفاكهة . قال تعالى : فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً . والسياق القرآني يجعل الفاكهة بإزاء النخل ، وكأنَّما يستظهر من العطف أنَّه عطفٌ على المباين ، فكأنَّ القرآن يشهد - ولو بالدلالة الالتزاميّة - أنَّ ثمر النخل ليس فاكهةً ، وقد يكون من عطف العامّ على الخاصّ ، فذكر النخل أوّلًا لأهمّيّته ، ثُمَّ ذكر مطلق الفاكهة ؛ لأنَّ لها نحواً من الأهمّيّة .
وأمّا الأب فيظهر أنَّ له ثلاث موادّ : الأُولى من ( أبو ) بمعنى الوالد ، والثانية ( أب إباً ) من الإباء ، والثالثة ما في الآية التي نحن بصددها ، وهي أب من أبب ، وهو اسم الشيء الذي سنتطرّق للكلام عنه .
قال الراغب : الأب : الوالد ، ويسمّى كلّ من كان سبباً في إيجاد شيء أو إصلاحه أو ظهوره أباً ، ولذلك يُسمّى النبي ( ص ) أبا المؤمنين . قال الله تعالى :
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 192
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٩٢