ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ؟
ويمكن الجواب عنه بوجوه :
الأوّل : أنَّ هذه الآية تُشير إلى أنَّ غالب الموتى يقبرون ، فكأنَّ الآخرين ملحقون بالعدم ، وقد غُضّ عنهم النظر ، وهذا يكفي في صدق العبارة .
الثاني : أنَّ الآية تتعرّض لخصوص الذين يتمّ إقبارهم ، فهو ينظر إلى خصوص هذه الحصّة ، والحصّة الأُخرى مسكوتٌ عنها .
الثالث : أنَّ الميت حيث كان جسده فهو قبره ، حتّى لو غرق في البحر أو وقع في بطون الوحوش والأسماك أو احترق وتحوّل إلى رمادٍ ، فحيث ما مات كان قبراً له ، ولو مجازاً ، وإن كان بمعنى باطني قبراً حقيقيّاً ، فيصدق الإقبار على كلّ أحدٍ .
الرابع : أنَّ البرزخ قبرٌ للميّت ؛ لأنَّ الإنسان حينما يموت ينتهي احتضاره وينتقل إلى عالم البرزخ ، فذلك هو قبره الذي يبقى فيه إلى يوم القيامة والنشور ، فالبرزخ قبرٌ للميّت من حين موته إلى زمان نشره ، وهو العالم الذي تعيش فيه روحه إلى يوم القيامة ، ولا يخفى أنَّ كلّ ميّت ينتقل إلى عالم البرزخ أينما كان جسده ، فكلّ ميّت مقبورٌ بهذا المعنى ، فتصدق الآية على الموتى كلّهم .
الأمر السادس : أنَّ في السياق فعلين مَزِيدَين هما : ( أقبره ) و ( أنشره ) ، وتقدّم الكلام في ( أنشره ) ، وأمّا ( أقبره ) فالكلام فيه كما تقدّم في ( أنشره ) ، وكما يمكن أن يقول : ( نشره ) كذلك يمكن أن يقول : ( قَبَرَه ) وقد عرفنا أنَّ قَبَرَه وأقبره بمعنىً واحدٍ .
مضافاً إلى احتمالٍ آخر حاصله : أنَّه قد تكون هناك قراءةٌ بالثلاثي : ( ثُمَّ أماته فقبره ، ثُمَّ إذا شاء نشره ) وهذه القراءة تصلح للإجابة عن هذا السؤال .
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 180
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٨٠