وأقبره ، كما ورد نظير ذلك في قوله تعالى : وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ « 1 » ؛ حيث نسب الحمل إلى الله لا السفينة ، وقوله : أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ « 2 » فالله هو الزارع ؛ لأنَّه مسبّب الأسباب . ونحوه قوله تعالى : وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا « 3 » والله هو الذي هدى لا النبي ( ص ) ، والمعلّم هو الله لا المدرِّس ، وكلّ الأشياء تجري على هذا النحو . وقد نحمله على الإقبار الاقتضائي ، وذلك بإيجاد سببه : أقبره يعني : أماته لكي يُقبر ، أي : جعل الفرد بحالة لا سبيل معها إلّا القبر ليستره .
وبعد أن تنتهي مدّة القبر والبرزخ نصل إلى الزمان اللاحق ، وهو يوم القيامة المدلول عليه بقوله : ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ أي : نشره ، وهو الإحياء والنشور ويوم القيامة ؛ وذلك أنه ينتشر الناس . والانتشار في الحقيقة للمجموع لا للواحد . والظاهر : أنَّ الراغب الأصفهاني « 4 » أشار إلى هذا المعنى ، وإنَّما يُنسب إلى الفرد تجوُّزاً ، ولكنه صار حقيقة لكثرة الاستعمال .
ثُمَّ ينتهي سياق هذه الآيات بأن يُوقَف الإنسان للحساب ، فيجد نفسه ظالماً مقصّراً وعاصياً ، كما قال تعالى : كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ، يعني : لم ينجز ما أمره . والقضاء بمعنى الإنجاز ، كما قال تعالى : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ « 5 » ، يعني : أُنجزت الصلاة وانقضت . ويحتمل أن ( لمّا ) بمعنى : إلى الآن ، فهناك الكثير من الأوامر لم يؤدّها هذا الشخص إلى الآن ، أي : إلى يوم
هامش
( 1 ) سورة مريم ، الآية : 58 .
( 2 ) سورة الواقعة ، الآية : 64 .
( 3 ) سورة مريم ، الآية : 58 .
( 4 ) راجع مفردات ألفاظ القرآن : 514 ، مادّة نشر .
( 5 ) سورة الجمعة ، الآية : 10 .