أقول : إنَّ العمدة في صحّة هذا الكلام يرجع إلى الذوق العرفي السائد في أيّام نزول القرآن .
وأفاد الراغب : ومن لفظ السفر اشتقّ السفرة لطعام السفر ولما يوضع فيه . قال تعالى : وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ « 1 » . والسفر الكتاب الذي يسفر عن الحقائق ، وجمعه أسفار . قال تعالى : كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً « 2 » وقوله تعالى : بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ « 3 » فهم الملائكة الموصوفون بقوله كِرَاماً كَاتِبِينَ « 4 » . ولعلّه فهم أنَّ ( سفرة ) من ( السِفر ) وهو الكتاب ، فسفر بمعنى : كتب ، و ( سَفَرة ) بمعنى : ( كَتَبَة ) فإذن الملائكة هم كَتَبَةٌ أو كاتبون ، فسمُّوا سفرة بهذا المعنى . والسفرة جمع سافر ككاتب وكتبة « 5 » .
أقول : تحصّل من هذه المادّة عدّة معانٍ متباينة منطقيّاً ، بغضّ النظر عن أصلها اللغوي الواحد ، من قبيل : الإظهار ، وقلّة اللون ، والتنوير ، والصبح ، والرحلة ، وإيجاد الكتاب ، ونقل الكتاب من مكانٍ إلى آخر . وأمّا من هو الفاعل للسفر فهم يقولون : إنَّهم الملائكة ، ولا بأس به ، لكن يمكن تقديم أُطروحاتٍ أُخر .
والغرض : أنَّ هذه المادة ( سفر ) تصدق على مجموعاتٍ من الخلق ، فإذا طبّقنا هذا الأمر على المعنى المشهور كانوا مظهري الحقّ ، ومنوِّري الخلق ،
هامش
( 1 ) سور النساء ، الآية : 43 ، وسورة المائدة ، الآية : 6 .
( 2 ) سورة الجمعة ، الآية : 5 .
( 3 ) سورة عبس ، الآيتان : 15 - 16 .
( 4 ) سورة الانفطار ، الآية : 11 .
( 5 ) أُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : 239 ، مادّة سفر .