الملائكة ، كما فهم المشهور ، مع أنَّه يمكن أن نفهم فهماً آخر بأن يكون المراد من ( الكرام البررة ) المؤمنون والمؤمنات أنفسهم ، لا الملائكة ؛ فإنَّ نفس كلّ إنسان بيده وتحت سيطرته بمعنىً من المعاني ، وله أن يهديها سواء السبيل . ولا يخفى أنَّه لو حصلت التذكرة حصل الإيمان ، وإذا حصل الإيمان كانت النفس كريمةً بارةً صالحةً ، لا أمّارةً بالسوء ، كما هي لدى الفاسق والكافر ، ولم يقل القرآن الكريم : ( كل نفس أمارة بالسوء ) كما قال تعالى : كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ « 1 » ، بل قال : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي « 2 » . فإذا جاءت هذه الرحمة خرجت النفس عن كونها أمّارةً بالسوء ، وأشرقت بنور ربّها ، والحمد لله ربّ العالمين .
البحث الثاني : حول الجارّ والمجرور في قوله : فِي صُحُفٍ :
وفيه عدة أُطروحات :
الأُولى : أنَّ الجار والمجرور في قوله : كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ : إمّا متعلّق بتذكرة ، فيكون خبراً بعد خبر ، كما تقدّم عن السيّد الطباطبائي ، وإمّا متعلّق بقوله : ( ذكره ) وحينئذٍ لا يستقيم قوله : كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ أي : ذكره في صحفٍ مكّرمةٍ مرفوعةٍ مطهّرةٍ . ومحلّ الشاهد قوله : ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ . ولعلّ الأرجح أن يُراد من الصحف النفس أو العقل ، وأمّا إذا أُريد بها الصحف المادّيّة فحينئذ ينبغي أن يُفترض بأنَّه ذكره بنحو الكتابة في الصحف ، وهو بعيدٌ عن مراد القرآن الكريم .
الثانية : أنَّ الجارّ والمجرور متعلّقٌ ب - ( شاء ) ، أي : ( شاء في صحف ) .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، الآية : 185 . سورة الأنبياء ، الآية : 35 . سورة العنكبوت ، الآية : 57 .
( 2 ) سورة يوسف ، الآية : 53 .