الثالثة : أنَّ الجارّ والمجرور ليس متعلّقاً بشيءٍ من هذه الأفعال ، وإن كان ذلك جائزاً ، وإنَّما هو متعلّقٌ بمحذوفٍ صفةً لاسمٍ سابقٍ عليه ، ولو لمادّة من المواد السابقة ، من قبيل مادّة الذكر ، أي : هذا الذكر الكائن في صحفٍ ، وهو معقولٌ في نفسه .
البحث الثالث : حول المراد من ( سَفَرَة ) في قوله بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ :
أفاد الراغب : أنَّ السفرة جمع سافر ككاتب وكتبة ، والسفر كشف الغطاء ، ويختصّ ذلك بالأعيان نحو : سفر العمامة عن الرأس والخمار عن الوجه ، وسفر البيت كنسه بالمسفر ، أي : المكنس ، وذلك إزالة السفير عنه ، وهو التراب الذي يكنس منه ، والأسفار يختصّ باللون نحو : وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ « 1 » أي : أشرق لونه « 2 » . ثُمَّ يجيب الراغب عن إشكالٍ مقدّرٍ قائلًا : وسافر خصّ بالمفاعلة اعتباراً بأنَّ الإنسان قد سفر عن المكان ، والمكان سفر عنه « 3 » . يريد أنَّ المفاعلة تحتاج إلى طرفين ، وصحّتها هنا باعتبار أنَّ الإنسان قد سفر عن المكان ، بمعنى : كشفه بعد أن كان يغطّيه ، فهناك نوع مفاعلةٍ بين المكان والمكين . ونحن نرى أنَّ هذا غير كافٍ في صدق المفاعلة ؛ لأنَّها تحتاج إلى تفاعلٍ بين مؤثّرين كالمصارعة والمحاربة ، والأمر هنا ليس كذلك ، بل عندنا مؤثّرٌ ومتأثّرٌ ، فالمؤثّر هو المسافر ، والمتأثّر هو المكان . وعلى كلّ حالٍ فقول الراغب كأُطروحةٍ لا بأس به .
هامش
( 1 ) سورة المدّثّر ، الآية : 34 .
( 2 ) أُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : 229 ، مادّة سفر .
( 3 ) أُنظر المصدر السابق .