ثُمَّ إنَّ السيد الطباطبائي ( قدس سره ) أفاد قائلًا : ( في صحف ) : خبرٌ بعد خبر « 1 » . وتوضيحه : أنَّ ( إنَّها ) في قوله تعالى : كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ حرفٌ مشبّهٌ بالفعل ، والضمير ( ها ) اسمها ، وتذكرة خبرها . وقوله ( في صحف مكرمة ) خبرٌ ثانٍ ، بتقدير كائنة أو مستقرة . وهذا الإعراب متوقّفٌ على أن يُراد بالضمير في ( إنَّها ) آيات القرآن كما فهمه السيّد الطباطبائي .
الأُطروحة الثانية : المقصود من الصحف صحف الأعمال لا القرآن الكريم ، وربما يكون هذا فهم المشهور للصحف ، أي : إنَّ المراد هو صحف الأعمال التي تكتبها الملائكة ، ويُراد بالتذكرة القرآن ، فيكون السياقان منفصلين . ولقد تقدّم الكلام في التذكرة وما لو كان المقصود بها القرآن . ولو كان المراد بالصحف صحف الأعمال ، كان الكلام عن إطاعة القرآن وعصيانه . فقوله كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ يعني : القرآن ، وفِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ أي : في صحف الأعمال ، فلا يكون خبراً بعد خبرٍ ، بل يكون قوله : فِي صُحُفٍ جارّاً ومجروراً متعلّقاً بتذكرة ، والمراد أنَّ كلّ ما يقوله أو يفعله الإنسان محفوظٌ في صحفٍ مُكَرَّمَةٍ لا يضيع منه شيءٌ .
الأُطروحة الثالثة : أنَّ المقصود من ( صحُف ) هي صحف القضاء والقدر الإلهي ؛ لتدوين كلّ الأشياء في عالم الإمكان فيها من القرآن وأعمال العباد وسواهما . إلّا أنَّ هذه الأُطروحة تواجه إشكالين في السياق :
الإشكال الأوّل : التعبير بالجمع في قوله ( صُحُف ) مع أنَّ لوح القضاء والقدر واحدٌ ، وهو اللوح المحفوظ التكويني .
والجواب : نعم إنَّه واحدٌ بالمعنى الكلّي إذا لاحظناه ككلّي أو ككلّ أو
هامش
( 1 ) أُنظر : الميزان في تفسير القرآن 202 : 20 ، تفسير سورة عبس .