تتمّة هذه الآية لتؤكّد هذا المعنى : إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً « 1 » .
أقول : لو كان قوله تعالى : مَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ لوحدها وهكذا قوله تعالى : لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ « 2 » لكان مؤدّاها كقوله تعالى : لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ « 3 » ، إلّا أنَّ هذه الآيات ليست منفصلةً عن سائر القرآن بنحو القرينة المتّصلة أو القرينة المنفصلة ؛ فإنَّ القرآن بعضه قرينةٌ على بعضٍ ، وبعضه مُفسّرٌ لبعضٍ ، والقرآن يدلّ بوضوحٍ على وجود أمرين يحولان دون امتلاك الإنسان للحرّية المطلقة في مسألة الكفر والإيمان ، فلا يمكنه أن يتصّرف كما يعجبه : إما أن يؤمن أو يكفر . وإليك بيان هاتين القرينتين :
الأُولى : سيطرة الإرادة الإلهيّة على إرادة الإنسان ، كما يشير إليه قوله تعالى : وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ « 4 » وهي السيطرة الاقتضائيّة ، لا الجبريّة والعلّيّة ؛ لأنَّنا لا نؤمن بالجبر ، لكن الإرادة الإلهيّة موجودة اقتضاءً ، وهي بمعنى التوفيق مثلًا ، كما قال سبحانه : لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ثُمَّ قال مباشرة : وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ . وقد سبق الحديث عن ذلك في محلّه ، ونفينا أن يكون المراد بها الجبر ، بل هو مجرّد الاقتضاء .
الثانية : أنَّ الإنسان لا يمتلك الحرّية في أن يفعل ما يشتهيه في فروع
هامش
( 1 ) سورة الكهف ، الآية : 29 .
( 2 ) سورة التكوير ، الآية : 28 .
( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 256 .
( 4 ) سورة التكوير ، الآيتان : 28 - 29 .