التكوير عند قوله تعالى : لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ « 1 » ، فراجع .
ولعلّ المفاد في قوله تعالى : فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وقوله : لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ واحدٌ ، وهو تشديد عزم الإنسان على الاهتداء والصلاح ، فمن شاء ذكره أي : ذكر الهدى والصلاح ، أو ذكر الله مثلًا ، فاستقام واهتدى . غاية الأمر : أنَّ إحدى الآيتين تشير إلى العلّة ، وهي التذكرة ، والأُخرى تشير إلى المعلول ، وهو الاستقامة ؛ لأنَّ الإنسان متى تذكّر استقام ، لا أنَّه متى استقام تذكّر ؛ بالدليل الإنَّي ، مع أنَّ المطلوب الدليل اللمّي ، يعني : أوّلًا نذكر العلّة ، وهي التذكرة ، ثُمَّ المعلول ، وهو الاستقامة .
وأمّا الوجه في تذكير الضمير في قوله : فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ مع عوده إلى ضميرٍ مؤنّثٍ في قوله : كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ولم يقل : فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فيمكن تقريره فيما يلي :
الوجه الأوّل : أنَّه ورد مذكّراً لضرورة النسق في السياق القرآني الذي بدأ بهذه الآيات ، فلو قال : ذكرها لاختلّ النسق ، أي : ستختلف نهايات الآيات الواردة في قوله تعالى : كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ * قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ « 2 » ، فضرورة النسق اقتضت التذكير هنا ، وهي من قبيل الضرورة الشعريّة .
الوجه الثاني : ما تقدّم من أنَّ المرجع الحقيقي لهذه الضمائر مذكّر أو مؤنّث مجازي ، فيصحّ إرجاع الضمير إليه بأيّ أُسلوبٍ حسب اختيار المتكّلم ،
هامش
( 1 ) سورة التكوير ، الآيتان : 29 28 .
( 2 ) سورة عبس ، الآيات : 11 - 17 .