كان مذكّراً لم يناسب الخبر المؤنّث ، فليس من المناسب أن يقول : ( إنَّه تذكرةٌ ) . وعلى أيّ حالٍ فإنَّ تذكيره أو تأنيثه مجازي ، ويمكن إرجاع الضمير إليه على أيّ من النحوين ؛ لأنَّ مرجع الضمير في علم الله أو في عالم التكوين ليس مذكّراً حقيقيّاً ولا مؤنّثاً كذلك ، فيمكن إرجاع الضمير إليه بأي واحد من النحوين .
ولا بأس هنا بالإشارة إلى ما ذكره الشهيد الثاني في « اللمعة » في صلاة الميّت قال : وإن لم يعرفه ، حتّى لو جهل ذكوريّته وأُنوثيّته جاز تذكير الضمير وتأنيثه مؤّولًا بالميّت والجنازة « 1 » . فعلى التذكير يقصد الميّت ، وعلى التأنيث يقصد الجنازة ، ولا حاجة إلى التأكّد من أنَّه ذكرٌ أو أُنثى .
وكيفما كان فلابدّ من تأويله لغويّاً بلفظ مؤنّثٍ ، كالآية أو الآيات أو الحجّة أو العبرة ونحوها ، كما يمكن أن يُقال هنا : إنَّ مرجع الضمير ليس واحداً بل مجموعة أشياءٍ ، فهي بمعنى الجمع ، ومعنى الجمع مؤنّثٌ بحسب الارتكاز اللغوي العربي ، فأُعيد الضمير إلى الجمع مؤنّثاً ، وهذا وجيهٌ في حدّ نفسه .
وأمّا التذكرة فهي من التذكّر ، وقد سبق الحديث عن هذا المعنى في هذه السورة عند قوله : أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى فراجع ؛ لأنَّ المادّة واحدةٌ ، وهي التذكُّر أو الذِكر . ومن هنا يتحصّل أيضا معنى قوله تعالى : فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ، فقوله تعالى : كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ يعنى : أنَّه استعمل هذه التذكرة بإرادته ومشيئته ، وأثّرت فيه تأثير الهداية والإيمان .
وأمّا المشيئة في قوله : فَمَنْ شَاءَ فقد سبق الحديث عنها في سورة
هامش
( 1 ) الروضة البهيّة في شرح اللمعة الدمشقيّة 428 : 1 ، القول في أحكام الأموات .