الذكرى والتذكّر أولى من الركض والعدو ؛ لأنَّهما من لفظٍ واحدٍ ومادّةٍ واحدةٍ عرفاً ، ويبقى الفرق الدقيق بينهما مبنيّاً على التسامح والمجاز في استعمال أحدهما محلّ الآخر .
الأُطروحة الرابعة : أنَّ الذكرى ليس لها فعلٌ ، فلاحظوا أنَّ تذكّر أو يتذكّر هي أفعال مصدرها التذكّر ، وأمّا الذكرى فليس لها فعل ماضٍ أو مضارعٍ ، فالذكرى ليس لها فعلٌ يدلّ على زمن حصولها ، بغضّ النظر عن التسامح والمجاز ؛ إذ المتكّلم إذا أراد بيان ذلك فلابدّ له من صياغة فعلٍ من غير لفظه ، فيقول : يتذكّر ذكراً ، كما يقول : يتذكّر تذكّراً ؛ لأنَّ الذكرى ليس لها فعل ماضٍ ولا مضارعٍ ، فيضطّر المتكلّم لأن يصيغ لها مادّةً أُخرى قريبةً ، وهذا ما ورد في القرآن الكريم ، وهذا من قصور اللغة في الحقيقة لا القرآن .
* * * * قوله تعالى : أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى :
لقد عرفنا معنى الاستغناء والتصدّي ، وتكّلمنا في هيئة تصدّى ، ومع غضّ النظر عن ذلك هل هي فعلٌ مضارعٌ بمعنى : تتصدّى ، أو فعل أمرٍ بمعنى : تصدّ ؟ وعلى كلّ تقديرٍ فمع كونها مضارعاً فهل يُراد بها الإخبار أو الإنشاء ؟ وعلى الثاني فهل يُراد بها الأمر الجدّي أو التبكيتي والتعنيف ؟
يبقى إشكالٌ واحدٌ هو أنَّ ( تصدّى ) لو كانت فعل أمرٍ لكانت مجزومةً ، ومقتضى ذلك حذف حرف العلّة ، فتكون ( تصدّ ) لا تصدّى ، وعليه فوجود حرف العلّة آخر الكلمة قرينةٌ على عدم كونها فعل أمرٍ ، بل هي فعل ماضٍ أو مضارعٍ .
ويُمكن أن يُقال : نعم ، الأمر مجزومٌ ، وهو يقتضي حذف حرف العلّة -
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 146
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٤٦