الدنيا . وكلّ واحد منهما ضربان : ذكرٌ عن نسيانٍ وذكرٌ لا عن نسيانٍ ، بل عن إدامة الحفظ « 1 » . فالدنيا تجتذب الإنسان نحوها ، فينسى الله تعالى ، ثُمَّ يتذكّره ، ثُمَّ ينساه ، ثُمَّ يتذكّره ، وهكذا . هذا إذا كان له حظٌّ من الإيمان ، وأمّا من لا حظّ له فينساه ولا يتذكّره أبداً . وقد روي أنَّه : « يوقظ العبد يوم القيامة ، فيؤمر به إلى النار فيقول : يا ربّي ، كيف تأمر بي إلى النار ، وقد كنت أذكرك في الحياة الدنيا ، فيقول سبحانه : يا ملائكتي ، إنَّ هذا لم يذكرني طرفة عينٍ في الحياة الدنيا ، ولكن أجيزوا له كذبه ، وأدخلوه الجنّة » « 2 » جلّت رحمته . فهناك مَن لم يذكر الله طرفة عينٍ ، وفي المقابل هناك من لم ينس الله طرفة عينٍ ؛ لأنَّه أسقط الدنيا عن التأثير ، وركّز اهتمامه على عناية الله ، لا على قدرته الشخصيّة ، فهو دائم الذكر لله سبحانه ، كأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( ع ) حيث يقول : « ما رأيت شيئاً إلّا ورأيت الله قبله وفيه ومعه » « 3 » . وقد روي أنَّه : « من صلّى ركعتين
هامش
( 1 ) أُنظر مفردات ألفاظ القرآن : 181 ، مادّة ذكر .
( 2 ) لم نعثر على الخبر المذكور في سائر المصادر الروائيّة . نعم ، ورد في ثواب الأعمال : 173 عن مولانا أبي عبد اللهع قال : « إنَّ آخر عبدٍ يؤمر به إلى النار فيلتفت ، فيقول الله عزّ وجلّ : أعجلوه . فإذا أُتي به قال له : عبدي ، لِمَ التفتّ ؟ فيقول : يا ربّ ، ما كان ظنّي بك هذا . فيقول الله جلّ جلاله : وما كان ظنّك بي ؟ فيقول : يا ربّ ، كان ظنّي بك أن تغفر لي خطيئتي وتدخلني جنّتك . فيقول الله : ملائكتي ، وعزّتي وجلالي وبلائي وارتفاع مكاني ، ما ظنّ بي هذا ساعة من حياته خيراً قطّ . ولو ظنّ بي ساعةً من حياته خيراً ما روّعته بالنار . أجيزوا له ندبه وأدخلوه الجنّة . . . » .
( 3 ) لم نعثر على الخبر المذكور في المجامع الحديثيّة المعروفة ، وإنَّما ذكره أهل المعرفة وآل الحكمة في تصانيفهم الثمينة ، فراجع الحكمة المتعالية 117 : 1 ، حكمة عرشيّة ، مفاتيح الغيب : 60 ، الفاتحة الثانية ، إيقاظ النائمين : 46 ، نفحات قدسيّة ، وغيرها .