وينبغي الالتفات أيضاً إلى أنَّ الذكر على أقسامٍ ثلاثة لا قسمين : ذكر لساني ، وذكر قلبي ، وذكر ذهني . والذكر القلبي ليس هو الذكر الذهني في حدود المعرفة الباطنيّة ، وهذه الأقسام يعاضد بعضها بعضاً ، فإذا حصل بعضها يغلب على الظنّ جدّاً بحصول الآخر . ومن هنا يكون المقصود إحدى الأُطروحات التالية :
الأُطروحة الأُولى : أن لا يُراد من صيغة ( يذكّر ) معنى ( يتذكّر ) ؛ فليس المراد مجرّد التذكّر والخطور بعد النسيان ، بل المراد التذكّر والذكر المركّز الكثير ، لا الدائم بالضرورة ، فيكون مصدره الذكرى ؛ لأنَّ الذكرى هي الذكر الكثير ، كما نقلناه عن الراغب ، وكأنَّما حصل الإدغام في يتذكّر ، فقال : ( يذكّر ) ، ولم يقل : ( يتذكّر ) ؛ لأجل مصلحةٍ من قبيل الإعلام أو الظهور في أنَّ المقصود أنَّ ( من يتذكّر ) أمرٌ ، و ( من يذكّر ) أمرٌ آخر أهمّ منه وأسمى ، وحينئذٍ يكون مصدره الذكرى ، لا التذكر ، وتذكّر تذكّراً ، من قبيل : تذكّرت أنَّ عندي درس تفسيرٍ .
الأُطروحة الثانية : أن لا يُراد بالذكرى مصدر التذكّر ، بل بعض معلولاته المتأخّرة عنه رتبةً ، بعد التنزّل عن الجواب الأوّل ، فنقول : نسلّم أنَّ يذكّر بمعنى : يتذكر ، ولا ضير في ذلك ، وإذا تذكّر فإنَّه ينفعه التذكّر ، وهو وجيهٌ ، لكنّ التذكّر فيه معلولٌ ، وهو الذكرى ؛ لأنَّه إذا تذكّر فربما تحصل له ذكرى نتيجة للتذكّر ، فالذكرى معلولةٌ للتذكّر فينفعه . ولم ترد الذكرى هنا كمصدر لتذكّر ، بل هي معلولٌ ونتيجةٌ أو هدفٌ له بمعنىً من المعاني .
الأُطروحة الثالثة : أن يُراد بها المصدر من غير لفظه ، كقولنا : ركضت عدواً ؛ لأنَّهما بمعنىً واحدٍ تقريباً لا تحديداً ، وكذلك الذكرى والتذكّر ، بل
منة المنان في الدفاع عن القرآن — صفحة 145
مساهمون: السيد محمد الصدر
ص١٤٥