ولم يحدّث نفسه فيهما بشيءٍ من أُمور الدنيا ، غفر الله له ذنوبه » « 1 » . ومع ذلك فهذا المقدار من الإخلاص متعذّرٌ على الإنسان العادي ، مع أنَّ هذه الصلاة لا تستغرق سوى دقائق ، فما بالكم بأن يكون الإنسان دائم الذكر لله سبحانه ، فكيف يأمل هؤلاء الذين اعتلوا منابر أن يذكروا الله باستمرار . كلّا فإنَّ هذا يحتاج إلى تسديدٍ خاصٍّ من الله سبحانه ، وهو في الحقيقة درجةٌ من درجات العصمة .
وعلى كلّ تقديرٍ فقد يكون طرف الذكر - أي : المذكور - هو الله سبحانه ، وقد يكون غيره ، بل قد يكون حقّاً ، وقد يكون باطلًا ، وهذا الذكر والنسيان قد يكون للحقّ ، وقد يكون للباطل .
وأضاف الراغب : أنَّ الذكرى كثرة الذكر ، وهو أبلغ من الذكر . قال تعالى : رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ « 2 » وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ « 3 » « 4 » .
وينبغي أن نلتفت هنا إلى أنَّ كلًّا من الذكر اللساني والقلبي له نحو علّيّة ناقصة للآخر ، فأحدهما يسبّب الآخر ، ويكون مُعّداً وعلّةً ناقصةً له ، فإذا ذكَرتَ لسانا أدّى ذلك إلى الذكر القلبي ، وإذا ذكرتَ قلباً فقد يؤدّي إلى الذكر اللساني ، وهكذا .
هامش
( 1 ) عوالي اللئالي 322 : 1 ، الملك الأوّل ، الحديث 59 ، مستدرك الوسائل 98 : 4 ، أبواب أفعال الصلاة ، الباب 2 ، الحديث 13 ، وبحار الأنوار 249 : 81 ، أبواب مكان المصلّي ، الباب 16 ، الحديث 41 .
( 2 ) سورة ص ، الآية : 43 .
( 3 ) سورة الذاريات ، الآية : 45 .
( 4 ) أُنظر : مفردات ألفاظ القرآن : 182 ، مادّة ذكر .